دقيق الكلام للطائى


اغلب الافكار فى هذا المنشور مستمدة من كتاب الاستاذ باسل الطائي استاذ الفيزياء النظرية وهى ايضا تحتوى على بعض من رؤيتى الشخصية وتوليف لبعض الافكار و اعتراض على افكار اقل. وعموما فاننى انطلق من نقطة معينة يثيرها الطائى تكون قد هزتنى بشدة بشكل ما ثم ابنى عليها.
لكن من ناحية المنهج و الرؤية فاننى اجدنى متفق تماما مع الاستاذ فى 1) عدم المذهبية لكن احترام الاطار العام للكلام, 2) فى محاولة التوفيق بين الفلسفة و الكلام من جهة و بين الفلسفة و الوحى من جهة اخرى, و بين كل هؤلاء و العلم من جهة ثالثة, 3) فى اعادة النظر و اعادة تأهيل الفكر الاعتزالى و الاقرار بفضلهم, 4) بالاقرار ان الغزالى هو مركز الكلام وهو المحور فعلا, 4) فى محاولة التقيد بالدقيق من الكلام و الابتعاد عن الجليل حتى يبقى النقاش علمى-فلسفى و لا ينجر الى الدينى-الفلسفى او العلمى-الدينى رغم العلاقة الوثيقة,وايضا حتى لا ننجر الى الخلافيات المذهبية الهائلة التى لا طائل من ورائها كما يقول الطائى,5) قبول حكم الفيزياء النهائى على كل الاراء و على الآخرين و التقيد بالفيزياء التجريبية اكثر من تقيدنا بالفيزياء النظرية, 6) القبول بالتاويل العلمى و الفلسفى الذى يخلطه الناس بالتاويل الدينى.
والاستاذ جاد جدا فيما يفعله و اننى اشاركه جديته بدون شك. فهذا هو الممر الاسلامى الطبيعى الى فلسفة الفيزياء ومن ثم الى كامل الفيزياء النظرية و التجريبية الذى يجب ان ننشره. فالمنهج فعلا اصيل و الرؤية اكثر اصالة.
وان هذا الكتاب قد ارجع ثقتى فى امرين:
اولا علم الكلام كفلسفة علم و اكثر -ميتافيزيقا و ابيستيمولوجى واكثر- اسلامية اصيلة.
ثانيا الفيزياء المنتهية finite physics مثل الشبكات و المصفوفات و الفضاءات الغائمة و غير التبديلية و غيرها التى تعتمد على الانفصال و ليس الاتصال. و لحسن الصدف هو تخصصى الاصلى.

دقيق الكلام الرؤية الاسلامية لفلسفة الطبيعة

تأليف باسل الطائى


الجزء الأول 

يقول استاذ الفيزياء النظرية الدكتور باسل الطائى فى مقدمة كتابه القيم (دقيق الكلام الرؤية الاسلامية لفلسفة الطبيعة) ان تعريف علم الكلام الاعم و الاشمل هو ربما كما ذكر بان خلدون:
‫‪ علم يتضمن الحجاج عن العقائد الايمانية بالادلة العقلية و الرد على المبتدعة المنحرفين فى الاعتقادات عن مذاهب السلف و اهل السنة و سر هذه العقائد الايمانية هو التوحيد.اه
هنا ينتهى تعريف ابن خلدون و ادعوا القارئ الى الانتباه الى لفظة "مذاهب" و هى جمع عوض "مذهب" وهذا قد يكون مهم فى تحقيق فهم اعمق لهذا العلم و لعقيدة السلف.
ثم يركز الاستاذ الطائى بعد ذلك على ان علم الكلام ينقسم الى قسمين منفصلين هما (دقيق الكلام) وهى الطبيعيات اى الفيزياء و (جليل الكلام) وهى الالهيات اى الميتافيزقيا.
وان اكبر مدارس علم الكلام و اهمها على الاطلاق هما المعتزلة (واصل و النظام و العلاف و الجبائى و القاضى عبد الجبار و غيرهم) و الاشاعرة (الاشعرى و الغزالى و الباقلانى و الرازى و الجوينى) و ان المعتزلة هى ام علم الكلام و ان الاشاعرة هى البنت الوريثة الشرعية لهذا العلم بعد اندثار الاعتزال بعد محنة خلق القرآن.
ثم يذكر الاستاذ ان اول من قسم علم الكلام الى دقيق و جليل هو الاشعرى نفسه..
وان الدقيق يهتم بالمادة و تحولاتها و الحركة و الفضاء-زمن و الثقالة و الوجود و العدم..اذن الدقيق هو علم الكلام الفيزيائى وهو اسم قد اطلقه الجابرى على هذا الفرع..
وهنا يذكر الطائى انه كتب هذا الكتاب كرد فعل على كتاب (نقد العقل العربى) للجابرى (الذى هو رشدى متمرس) الذى لم يوفى علم دقيق الكلام حقه فى مناقشته للموضوع فى الكتاب..
والجابرى رغم رشديته فهو افضل من كتب فى هذه المواضيع وكتابه نقد العقل العربى هو تأصيل لكتابات احمد امين المعتزلى فى الفجر و الضحى و الظهر و هو الذى أتى مثلا بلفظ استقالة الغزالى من باب انه (وبشكل لا يكاد يخفيه) ضد الغزالى. أليس هو رشدى.
لكن يبدو ان الطائى ممتعض منه لسبب آخر وهو تقصيره فى حق علم الكلام و بالخصوص دقيقه و هو امر يجب التنبه له لاننى شخصيا لم أنتبه لهذا الامر لما قرأنا النقد منذ سنوات طويلة...
ثم يلاحظ الاستاذ ان المعتزلة و الاشاعرة متفقان فى اغلب مسائل دقيق الكلام و كل اختلافاتهم هى فى الجليل و اخطرها على الاطلاق مسألتى الصفات و افعال العباد.
وكل اختلافاتهم ترجع الى معضلة شيئية المعدوم فالمعتزلة تقول ان المعدوم شيئ ثابت فى العدم اما الاشاعرة فتقول ان الشيء هو الموجود اذن المعدوم ليس بشىء...
بعد ذلك يميز الاستاذ الطائى بين منهج المتكلمة و منهج الفلاسفة كالتالى..
فعلم الكلام ينطلق من الله او بالاحرى من مسلمات الوحى ثم يستعمل العقل لفهم النص ومنه لبناء العلاقة الوجودية بين المخلوق و الخالق التى تمر عبر فهم العالم...اذن معادلة علم الكلام كما يكتبها الاستاذ الطائى هى
الله....العقل...العالم
اما الفلاسفة من افلاطون و ارسطو و ابن سينا و ابن رشد حتى ديكارت و كانط فمنهجهم معكوس تماما ينطلق من العالم و معرفته للتعرف على الله عبر العقل..
اضيف هنا ان الفلسفة اليوم تشبه العلم فهى غير مهتمة او لا تريد ان تهتم باكمال طرف هذه المعادلة المعكوسة للفلسفة القديمة و الوصول الى الله عبر العالم..اذن الوضع اليوم اسوء او احسن من البارحة حسب وجهة نظر القارئ..
اذن علم الكلام يفترض الله عن طريق التسليم بالوحى ثم يذهب و يتعرف على العالم ثم يثبت الله من خلال عملية عكسية يتم فيها توظيف الشاهد لاثبات الغائب اما الفلسفة فهى تفترض العالم ثم تريد ان تصل الى الله بشكل عقلى محض فالشاهد عندهم دالا على الغائب...
ألاحظ هنا ان الوحى ثابت لا شك فيه فيمن سلم به اما العالم فلحد الآن تعانى الفلسفة من معضلة اثبات وجوده اثباتا عقليا محضا و قد سماها كانط و هو عظيمهم (وهو فعلا عظيم فى قدره) فضيحة الفلسفة..
ثم ان هيوم العظيم الآخر قد قرر و قد قبل منه كانط ذلك تماما انه لا يمكن حتى البرهان على مبدأ السببية لا من الحس و لا من العقل فالقضية "كل حادث له سبب" هى مسلمة على افضل الاحوال..
ولهذا فان السببية هى شيء-فى-ذاته بالنسبة لكانط اى انه فوض علمها الى الله (هذا ما يعنيه الشيء-فى-ذاته و عليه فان كانط هو من اهل التجهيل على حسب ابن تيمية)...
اما بالنسبة لعلم الكلام فحتى من انكر السببية فى شكلها العادى مثل الغزالى (المتهم دائما و ابدا فى كل شيء و من الكل?) فليس لها اى معضلة فى اثبات العالم لانها تنطلق من الوحى...
والخلاف فى المنهج بين علم الكلام (الله..العقل..العالم) و الفلسفة (العالم..العقل..الله) هو الذى ادى الى تلك الخلافات العميقة بين المعتزلة و الاشاعرة من جهة و السيناوية و الرشدية من جهة اخرى فى مسألة قدم العالم التى ظن فيها ابن تيمية انه يمكنه ان يقف فيها موقف وسط...
لكن الاستاذ الطائى يقر ايضا ان المسلك الفلسفى اكثر تحررا و هذا حق و لهذا كانت الفلسفة اكثر تقدما وبشكل حاسم من علم الكلام خلال العصور الاخيرة..
لكن كلا المسلكين وقع فى جليل الكلام فى الخطأ القاتل و هو قياس الشاهد على الغائب..فعلم الكلام يستند الى النص يتأوله بالعقل قياسا و الفلسفة ترفع العالم الى الله قياسا...
ولهذا فان هدف الاستاذ الطائى هو اعادة احياء علم الكلام و بعثه عن طريق التركيز على دقيق الكلام و غض الطرف عن جليله..
و نحن نشترك مع الاستاذ فى هذا التوجه و قد سميناه من جهتنا بعلم الكلام الجديد..وهو التوجه نحو الذات الكونية و الذات الانسانية بالبحث و الدراسة والالتزام فى الذات الالهية بالتفويض و هو مذهب السلف بعد التحقيق و هو ايضا القول الاول فى مذهبى الاشاعرة و الماتريدية...
لكن حتى ينجح هذا التوجه علينا ايضا تأهيل المدرسة المعتزلية فى التاريخ لانها رغم خطأها بمحاولة فرض رأيها على جماهير العلماء بالقوة فهى قد دفعت اكثر من الثمن الغالى جزاء وجراء تلك الخطئية..وعلينا ايضا ان نعترف ان المعتزلية هم اكثر تحررا من الاشعرية و هذا ايضا مهم من اجل احراز اى تقدم فكرى...
ثم ينتقل الاستاذ الطائى فى مقدمته الى عرض ادلة علم الكلام و الفلسفة حسب تصنيف ابن رشد و هى ثلاثة:
-الادلة الخطابية و هى ادلة انشائية و هى اغلبية الادلة التيمية و كثير من ادلة الاشاعرة انفسهم..
-الادلة الجدلية و هو ما يسمى النظر عند المعتزلة و الاشاعرة و هو مبني على المنطق الصورى. اذن هذا النوع من الادلة يعانى مما يمكن ان يعانى منه المنطق الصورى من قصور كما حدد ذلك بارمانياداس و ابن سينا ثم ابن تيمية فى هجومه الكاسح..
لكن بعد ذلك وبعد تحديد القصور (مثلا احتواء المقدمة على النتائج او المصادرة على المطلوب) تم تعويضه بالمنطق الرياضى الحديث لفرجى و راسل و غودل.
و فى رأى كانط فان المنطق الصورى (القياس الاسثنائى modus ponens و القياس الاقترانى modus tollens و القياس syllogism) يحتوى على كل قواعد التفكير المنطقية اذن القصور ليس اساسى بل تقنى ولهذا فان المنطق الفلسفى الحديث و المنطق الرياضى هو تطوير لمنطق ارسطو و ليس تكميم لمنطق ارسطو و ركزوا رجاءا مع مصطلحاتى.
-ثالثا الادلة البرهانية وهى ما تدعيه الفلسفة. او ما يدعيه ابن رشد. وهى الادلة المنطقية (وهى نفسها التى يعطيها معيار النظر للغزالى) لكن يضاف اليها الادلة الهندسية و الادلة الرياضية القليلة الاستعمال جدا فى الفلسفة.
والحق يقال -وهذا ايضا ميل الاستاذ الطائى- ان ابن رشد نفسه لم يلتزم بالبرهان كما ان ابن سينا نفسه لم يلتزم بالبرهان -كما بين ذلك الغزالى- و خاصة فى مسائل جليل الكلام لجلالتها و خطورتها و عجز العقل عن حسم الامر لوحده بدون الوحى فى الامور التى تخص الذات الالهية و هذا كما يعجز العقل عن حسم امور العلم لوحده بدون الحس و الرياضيات...
ويذكر الطائى ايضا ميل المفكرين العرب المحدثين للمنهج الرشدى رغم عدم معرفتهم الجيدة لا للدليل البرهانى القديم الارسطى الذى كان ابن رشد متحمسا له و لا للدليل البرهانى الرياضى الحديث و هم اقل معرفة للدليل الفيزيائى الكمومى و غيره..
ولنا فى علمى اسس المنطق و اسس الميكانيك الكمومى عبرة لمن يريد ان يعرف الحقيقة و الحق...ولمن يريد ان يعرف ان حماس ابن رشد الشديد للدليل البرهانى الارسطى كان فى غير محله..
فابن رشد يقول مثلا: و نحن نقطع قطعا ان كل ما ادى اليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع ان ذلك الظاهر يقبل التأويل..
فهذا موقف متطرف..اذن فرغم ان ابن رشد فهم ارسطو افضل من الغزالى الا ان الغزالى قدر البرهان الارسطى افضل من تقدير ابن رشد له..
فالكلام اعلاه لابن رشد غير صحيح يقينا اذا كان البرهان المقصود به برهان ارسطو و هو غير صحيح الى حد كبير اذا كان المقصود به المنطق الرياضى الحديث الذى لم يتمكن من احتواء الطبيعة فلماذا نتوقع انه سيحتوى الوحى..اذن الكلام اعلاه صحيح اذا كان المقصود به المنطق الطبيعى الكمومى مثلا فعندها وجب التأويل فلا الغزالى و لا الرازى ضد التاويل من الناحية المبدأية ..
ويبقى قول ابن تيمية (الذى ناصر ابن رشد ضد الرازى) انه لا يمكن لصريح المعقول ان يناقض صحيح المنقول افضل بعد تحديد معانى الصريح و الصحيح لكنه قول اقوم من قول ابن رشد...
ويختم الاستاذ الطائى مقدمته بمناقشة دور اللغة العربية فى علم الكلام فاللغة وسيلة تفكير و ليست وسيلة اتصال كما يذكر..لكن اضيف واقول ان اللغة هى الفكر نفسه و ليست وسيلة فقط و لربما هذا ما يقصده تشومسكى بالمفردة اللغوية..
كما ان كل قانون التأويل (وهو مصطلح الرازى) ينبنى على ضرورة المجاز فى اللغة و ان القرآن حمال اوجه كما قال سيدنا على كرم الله وجهه و منه فانه يقتضى التأويل على اساليب اللغة و العقل كما قرر ذلك علم الكلام لكن اسرفت فيه الفلسفة و التصوف الفلسفى..اما موقف ابن تيمية ضد التأويل و عدم وجود مجاز فى اللغة فهو قول نشاز ناجم عن فهمه لموقف السلف بالامرار و التفويض على انه اثبات وليس عن تفكر عميق متسق..

الجزء الثانى



موسى بن ميمون هو احد المواسى الثلاثة لليهودية..اما موسى الأول فهو النبى موسى عليه الصلاة و السلام و أما موسى بن ميمون هذا فهو الفيلسوف الاسلامى-اليهودى وهو يسمى عند الاوربيين ب مايمونايد maimonides و هو الموسى الثانى اما الموسى الثالث فهو موسى ماندلسون moses mendelssohn الفيلسوف الالمانى-اليهودى حبرهم الثانى الاعظم...
وموسى بن ميمون هو اخر الفلاسفة الاسلاميين الكبار و هو تلميد ابن رشد الشيخ الشارح الذى هو آخر الفلاسفة الاسلاميين الفحول..وهو فى الحقيقة التلميذ الوحيد المقتدر فعلا و العميق فعلا لابن رشد..
وهذه كما قلت من قبل هى من اكبر خسائر الحضارة السلامية ألا يجد آخر فلاسفتها الفحول من يخلفه غير يهودى عبقرى عاش بين المسلمين فى قرطبة اما المسلمين انفسهم فقد توجهوا للفقه و الحديث و الكلام الديماغوجى..
وعلينا ان نذكر ايضا ان ابن رشد و تلميذه موسى بن ميمون كانا احد الاسباب الرئيسية فى عزوف الناس عن الكلام العلمى بعد كتابيهما تهافت التهافت و دليل الحائرين و منه عزوف الناس بعد ذلك عن الفلسفة وهذا كله بسبب عدم تجاوبهما-اى ابن رشد و موسى بن ميمون- الايجابى و البناء مع نقد الغزالى لابن سينا..
اذن هى ليست فقط استقالة الغزالى فقط التى ادت الى التقهقر كما يقول الجابرى بل هى ايضا استقالة ابن رشد عن التجاوب و استقالة ابن تيمية من بعدهما...
والذى لم يعجبنى فى و جعلنى أنفر من موسى بن ميمون هو تهجمه على الذات المحمدية...وهو لو كان احترم استاذه ومعلمه ابن رشد الذى يحبه فعلا لكان احترم نبى استاذه من باب المجاملة فقط..
ثم ان موسى بن ميمون يذهب و يقيم الحجج -فهو تذكروا الفحل الاول فى الدين اليهودى يقوم بنفس الدور مثلا الذى يقوم به القديس اوغستين فى المسيحية او الغزالى فى الاسلام- قلت يذهب و يقيم الحجج على نبوة موسى عليه السلام و هى نفسها الحجج التى يقيمها ابن رشد على نبوة محمد عليه الصلاة و السلام لكنه لا يصدق ان محمد نبى..لم افهم المنطق وراء هذا الانتقاء الفكرى?
ومن اهم ما ألفه موسى بن ميمون هو كتاب دلالة الحائرين و هنا يقصد بالحائرين المتكلمين او لربما يقصد بهم من لم يستطع الحسم بين الفلسفة و الكلام و هما فى رأيى منهجان متكاملان غير متناقضان بالضرورة..لكن ماذا نفعل اذا كانت الناس قديما و حديثا تعشق الصراع و التصارع و تهرب من التوفيق و التلفيق...
بعد هذه المقدمة القصيرة لموسى بن ميمون ندخل فى صلب الموضوع وهو مراجعة كتاب الاستاذ الطائى..
يقول موسى بن ميمون (مايمونايد) فى دلالة الحائرين ملخصا مقدمات المتكلمين انها تتمثل فيمايلى (12 مقدمة تتطلب دراية قليلة بمصطلحات علم الكلام):
اولا اثبات الجوهر الفرد
ثانيا وجود العدم او الخلاء
ثالثا الزمن مؤلف من آنات
رابعا أن الجوهر لا ينفك من عدة الاعراض
خامسا ان الجوهر الفرد تقوم به الاعراض و لا ينفك منها
سادسا أن العرض لا يبقى زمانين
سابعا ان حكم الملكات حكم اعدامها وأنها كلها اعراض موجودة مفتقرة لفاعل.
ثامنا أن ليس ثم فى جميع الموجود غير جوهر و عرض.
تاسعا ان الاعراض لا تحتمل بعضها بعضا.
عاشر مبدأ التجويز اى ان الممكن لا يعتبر مطابقة هذا الوجود لذلك التصور.
الحادى عشر ان لا فرق فى استحالة ما لانهاية له بين ان يكون بالفعل او بالقوة او بالعرض.
الثانى عشر ان الحواس تخطئ و يفوتها كثير من مدركاتها.
الاستاذ الطائى يقرر ان هذه القائمة الميمونية صحيحة الى حد كبير و انها لا تخالف الحقيقة كثيرا مما يدل على فهم موسى بن ميمون الممتاز للكلام الا انه فى نقده -اى موسى بن ميمون فى الحائرين- لعلم الكلام فانه قد شنع وأدلج كغيره (ومنهم استاذه و معلمه ابن رشد)..
لكن الطائى يقرر ان هذه القائمة رغم صحتها الا انها تخلط بين المبادئ و المسائل.
يقدم الاستاذ الطائى قائمة المبادئ الاساسية لدقيق علم الكلام المستخرجة من كتابات المعتزلة و الاشاعرة الاصلية كما يلى:
اولا مبدأ الحدوث و هى القول ان لكل حادث سبب و منه فان العالم و المكان و الزمن و كل شيء مخلوق. و ان بدء العالم كان ببدء المكان و الزمن.
ثانيا مبدأ الذرية يمكن تقسيم المادة (بالوهم) بشكل متواصل حتى نصل الى الجزء الذى لا يتجزأ و هو الجوهر الفرد. و الاعراض موجودة و تتعلق الاعراض بالجوهر الفرد و الجواهر.
ثالثا مبدأ الخلق المتجدد وهو قول موسى بن ميمون بان الاعراض لا تبقى زمانين او آنين. اذن يخلق الله الاعراض فى الجواهر خلقا متجدد كل حين.
رابعا مبدأ التجويز الذى يعنى ان العلائق السببية فى العالم وكذا الطبائع ممكنة غير واجبة اى ان انها غير حتمية.
خامسا مبدأ نسبية الزمان و المكان. وهو القول ان القبل و البعد فى الزمان و الفوق و التحت و الشمال و اليمين فى المكان غير مطلقة.
ويؤكد الاستاذ ان الجوهر الفرد و الزمن و المكان عند المتكلمين ليست هى نفس الاشياء عند الفلاسفة.
نلاحظ اذن ان المبدأ الاول هو مبدأ السببية و مفردة الانفجار الاكبر التى بدأ عندها الفضاء-زمن, المبدأ الثانى هو فكرة الجسيم الأولى, المبدأ الثالث هو فعل الرصد الكمومى, المبدأ الرابع هو عدم حتمية الميكانيك الكمومى و هو مبدأ السببية كما يفهمه الغزالى و ملبرانش كعادة occasionalism او كما يفهمه هيوم كتشاركية associanism, المبدأ الخامس و هو اغربها نسبية الفضاء-زمن.
فى رأيى كان من الاولى ايضا اضافة المبدأ الحادى عشر لموسى بن ميمون فى استحالة المالانهاية بغض النظر عن كونها بالقوة او بالفعل او بالعرض لان هذا يبدو لى هو مبدأ رياضى و ليس فيزيائى و بالتالى فهو مستقل وهو ينص على ان المالانهاية حقيقية او كامنة غير موجودة.

الجزء الثالث

الفصل الاول مبدأ الذرية (الجوهر و العرض). 
الذرية و مفهوم الجوهر الفرد. ألاعراض. صفات الجوهر الفرد. التحيز. مفهوم الخلاء. مفهوم العدم و حال المعدوم. اجناس الجواهر. اوزان الجواهر و صفات اخرى. رأى النظام فى الجزء. قول النظام فى الاعراض. قول النظام بالطفرة. رأى ابن حزم فى الجزء. موقف ابن رشد من فرضية الجوهر الفرد. استنتاج ابن رشد بميزان العلم المعاصر. عرض شلومو بينس لمبدأ الذرية. عرض ولفسون لمبدأ الذرية. علاقة مبدأ الذرية بمبدأ الحدوث. ذرية الزمن عند المتكلمين. ذرية المتكلمين و المفهوم الرياضى. ذرية المتكلمين و ذرية ديموقريطس و ابيقور. نظرتنا المعاصرة الى الانفصال و الاتصال.

الجوهر الفرد 

المعتزلة: هو الجزء الذى لا يتجزأ و هو متحيز و ليس له قدر. و الاجسام تتركب من الجواهر الفردة و الاعراض تتعلق بها و بالاجسام.
الاشاعرة: هو الجزء الذى لا يتجزأ و هو متحيز و لكن له قدر. و الاجسام تتركب من الجواهر الفردة و الاعراض تتعلق بها و بالاجسام.
الفلاسفة (ابن سينا و ابن رشد): يمكن تقسيم الجسم الى ما لانهاية اذن الجزء الذى لا يتجزأ غير موجود. اما الأجسام فهى مركبة من الهيولى و الصورة.
يقول ابن تيمية فى منهاج السنة: إثبات الجوهر الفرد باطل والأجسام ليست مركبة من الجواهر الفردة ولا من الهيولي والصورة بل الجسم واحد في نفسه.
النظام (المعتزلة) و ابن حزم (السنة): لا يوجد الجزء الذى لا يتجزأ (لأن فى وجوده تحديد لقدرة الله سبحانه و تعالى كما يقول ابن حزم) و توجد فقط الاجسام. و لا نهائية التقسيم لا تتعارض مع مبدأ الحدوث و لهذا قال النظام بالطفرة اى ان الجسم يمكن ان ينتقل من نقطة أ الى نقطة ب دون ان يمر بالنقطة ج التى تقع بينهما و هذا ما يسمى اليوم بتأثير النفق الكمومى وهذا لانه بانكاره الجزء الذى لا يتجزأ قد قبل ضمنا بوجود عدد لانهائى من النقاط بين أ و ب لا يمكن للجسم ان يقطعها بحال فى وقت منته. فابن حزم و النظام رغم انكارهمها للجزء الذى لا يتجزأ فهما يُقران بضرورة تناهى الحوادث فى الماضى عكس ابن تيمية.
الفيزياء: الجوهر الفرد من التعريف نعنى به ما يسمى اليوم بالجسيم الأولى و ليس هو الذرة او النواة لانهما قابلان للتقسيم.
اذن الفيزياء تؤكد صراحة و بدون اى لبس موقف المعتزلة و اننى لست بمعتزلى لكن لماذا المراء فى الحق!!..
فالجسيم الأولى هو اولى لانه لا يقبل الانقسام لكن ليس له قدر اذن هو كالنقطة لكنه ليس هو النقطة الهندسية لان النقطة الهندسية توجد فى العالم الافلاطونى اما الجسيم الاولى فهو موجود فى العالم المادى فهو رغم انه ليس له قدر (كما نقول فى الفيزياء اليوم ليس له ابعاد) الا انه متحيز اى موجود فى مكان.

المكان و الحيز

ولو ان المكان و الحيز مفهومان مختلفان فالحيز عند المتكلمة اعم من المكان الذى يمكن ان يحتله الا الجسم اما الحيز فيمكن ان يحتله جسم او جوهر فرد. واذا لم يكن هناك جسم فان المكان يسمى خلاء. وهذه كلها مفاهيم مختلفة عند الفلاسفة.

شيئية المعدوم

واختلف الاشاعرة و المعتزلة حول شيئية المعدوم. فقال الاشاعرة ان الموجود شيء و ان الشيء موجود و بالتالى فان المعدوم ليس بشيء. و كل هذا لتفادى معضلة قدم العالم. لان الذى سبق وجود العالم هو العدم و اذا كان العدم شيئا فهذا يعنى ان هذا الشيء قديم اى انهم فى هروبهم من قدم العالم يمكن ان يقعوا فى قدم العدم!
اما المعتزلة فقالوا ان المعلوم هو الشيء و ان الشيء هو المعلوم و بالتالى فان المعدوم شيء لانه معلوم. و بعضهم قال ان المعدوم جوهر و لان التحيز من صفات الجوهر فان المعدوم قد يكون متحيز وبعضهم امتنع عن اطلاق اسم الجوهر على المعدوم لتفادى تحيز المعدوم و بعضهم قال ان المعدوم جوهر غير متحيز (يقارنها الاستاذ الطائى بالجسيمات الافتراضية او بالجسيمات ذات الطاقة السالبة فى نظرية ديراك). و المعدومات عندهم لا نهائية اما الموجودات فهى نهائية و هذه الاخيرة هى التى عناها الله سبحانه و تعالى بقوله و احصى كل شيء عددا من باب ان الكل يراد به البعض. ورأى المعتزلة على ان المعدوم ليس بشيء لا يؤدى الى قدم العالم على التحقيق (حسام الدين الألوسى).
اذن شيئية المعدوم عند المعتزلة مرتبطة بوجوده الابيستيمولوجي اما عدم شيئية المعدوم عند الاشاعرة فهى مرتبطة بوجوده الانطولوجي.
ويرجح الاستاذ الطائى على ما يبدو مذهب المعتزلة فى الوجود الابيستيمولوجى على مذهب الاشاعرة فى الوجود الانطولوجى.
واكثر من هذا فان كون المعلوم هو الشيء عند المعتزلة و الجوهر شيء اذن الجوهر قد يكون وجوده ايضا ابيستيمولوجى عند المعتزلة.
اى ان الجوهر هو ماهية تجريدية تتحقق فى العلم اى ابيستيمولوجيا و لا تتحقق فى الوجود اى انطولوجيا الا بعد ان تحمل اعراضها.
واننى هنا لا استطيع ان اتفق تماما مع هذه النتيجة. فانه يبدو لى ان تعريف الجوهر الفرد الذى يعطيه المعتزلة هو التعريف الاقرب للفيزياء الحديثة وذلك التعريف ينطبق مع تعريف الجسيم الاولى و الجسيم الاولى موجود انطولوجيا و اهم صفاته التحيز و عدم القدر (جسيم نقطى) ثم يمكنه ايضا ان
يحمل اعراض اخرى تعطى بالاعداد الكمومية مثلا عزم اللف و الكتلة و الشحنة. فالجسيم الاولى او الجوهر الفرد موجود مادى كما يقول الاشاعرة رغم انه نقطى اى ليس له قدر كما يقول المعتزلة. اذن المعتزلة اصابوا فى التعريف و الاشاعرة اصابوا فى ماديته.
لكن من الجهة الاخرى نحن نعرف ان الجسيم الكمومى يخضع للثنائية موجة-جسيم فهو اذن غير موجود (او موجود كمونيا) حتى يقع عليه فعل الرصد. من هذا الباب يمكن ان نفهم الوجود التجريدى الابييستيمولوجى للجوهر الفرد عند المعتزلة.

ابن رشد حول الجوهر الفرد

يبدأ بان رشد بالتشكيك فى المقدمة المعتزلة و الاشاعرة فى ان الجواهر لا تنفك عن الاعراض. يقول:

(فأما المقدمة الاولى وهى القائلة ان الجواهر لا تتعرى من الاعراض فان عنوا بها الاجسام المشار اليها القائمة بذاتها فهى مقدمة صحيحة و ان عنوا بالجواهر الجزء الذى لا ينقسم وهو الذى يريدونه بالجوهر الفرد ففيها شك ليس باليسير وذلك ان وجود جوهر غير منقسم ليس معروفا بنفسه وفى وجوده اقاويل متضادة شديدة التعاند وليس فى قوة صناعة الكلام تخليص الحق منها و انما ذلك لصناعة البرهان واهل هذه الصناعة قليل جدا.)

ثم يشرح ما يسميه بالدليل الخطابى للمتكلمين فهو لا يقبله كدليل برهانى لأن اهل هذه الصناعة اى البرهان و  يقصد الفلاسفة قليل. يقول الشيخ الشارح:

(وذلك ان استدلالهم المشهور فى ذلك هو انهم يقولون ام من المعلومات الاول ان الفيل مثلا انما تقول فيه انه اعظم من النملة من قبل زيادة اجزاء فيه على اجزاء النملة واذا كان ذلك كذلك فهو مؤلف من تلك الاجزاء وليس واحدا بسيطا واذا فسد الجسم فاليها ينحل و اذا تركب فمنها يتركب.)

ثم يبدأ ابن رشد فى ابطال هذا البرهان الخطابى -الذى هو اذن ليس ببرهان اذا كان خطابى لكنه يبطله رغم ذلك- يقول:

(وهذا الغلط انما دخل عليهم من شبه الكمومية المنفصلة بالمتصلة فظنوا ان ما يلزم فى المنفصلة يلزم فى المتصلة.)

وهذا فعلا تحجج رائع لا يمكن انكاره. انظروا استخدامه لمصطلح الكمومى بنفس المعنى الذى نعرفه اليوم. ثم هو يبطل حجة المتكلمة من باب ان الشيء المتصل اى المستمر continuous مثلا الفيل و النملة هو ليس  نفس الشيء المنفصل اى المتقطع discrete مثل الاعداد الطبيعية.

يواصل قصفه للمتكلمة بالقول:

(وذلك أن هذا يصدق فى العدد أعنى ان نقول ان عددا اكثر من عدد من قبل كثرة الاجواء الموجودة فيه اعنى الوحدات و اما الكم المتصل فليس يصدق ذلك فيه و لذلك نقول فى الكم المتصل انه اعظم و اكبر و لا نقول انه اكثر و اقل ونقول فى العدد انه اكثر و اقل و لا نقول اكبر و اصغر.)

وهذا تحجج لغوى اذن هو خطابى مثل الدليل الخطابى الذى يريد تقويض اركانه. ثم يصل ابن رشد الى استنتاجه البليغ -كما يقول الاستاذ الطائى و هذه هى فعلا اللفظة فهو استنتاج بليغ- يقول ابن الشيخ الشارح ابن رشد:

(وعلى هذا القول اى القول بالجوهر الفرد فتكون الاشياء كلها اعدادا و لا يكون هناك فعلا عظم متصل اصلا فتكون صناعة الهندسة هى صناعة العدد بعينها.)

وهذه عبقرية فذة. اذن ابن رشد لديه رأى وجيه جدا مؤسس جدا لماذا يرفض الجوهر الفرد. فهو لانه اذا كان الجوهر الفرد موجود فهذا يعنى انه لا يوجد اتصال فى الطبيعة و كل شيء انفصال مثل الاعداد الطبيعية. اذن الهندسة اى الفضاء-زمن و كذا المادة كلها تصبح حساب. و لهذا يرفض لانه حسب ماكان متوفرا فى عصره فان الحساب شيء و الهندسة شيء آخر.

لكن وكما يقول الاستاذ الطائى رغم ان هذا البرهان هو برهان هندسى و هو صحيح تماما فان النتيجة ليست صحيحة بالمنطق التجريبى الحسى الذى هو الفيزياء الحديثة. ففعلا الطبيعة كمومية على مستوى المادة فهناك ذرات و انوية و جسيمات اولية  و على مستوى الطاقة و الاشعاع فهناك كمات و ايضا على مستوى الفضاء-زمن فهناك طول اصغرى هو طول بلانك و زمن اصغرى هو زمن بلانك و الهندسة على هذه المستويات هى كمومية. و فعلا الهندسة فى جوهرها جبرية حسابية.
المثال الذى يعطيه الاستاذ الطائى ابسط لكن اقوى. فالمدارات الذرية تعطى بالاعداد الكمومية (وهذه هى الاعداد)  و ليس بالاشكال الهندسية لهذه المدارات. اذن صناعة الهندسة فى البنية الذرية تحولت فعلا الى صناعة العدد.
وهذا ما لم يستطع ان يتصوره ابن رشد فى وقته و تصوره المتكلمة وهذا لان المنطلقات الرشدية هى عقلية-ارسطية صرفة اما المنطلقات الكلامية فهى عقلية-قرآنية.

الانفصال او التقطع و الاتصال او الاستمرارية

يقدم الاستاذ رؤية معينة لأصل معضلة الرصد الكمومى و معضلة التباعدات فى نظرية الحقل تتلخص فى  التناقض الداخلى للنظرية الكمومية التى تنظر الى الوجود المادى بمنطق الانفصال لكنها تستعمل كتقنية الرياضيات المستمرة التى تنطلق من الاتصال فى حسابات التفاضل و التكامل و غيرها. اذن هذه المشاكل المعروفة التى تعانى منها نظرية الحق الكمومى هى ناجمة عن عدم انسجام الرؤية و المنهج.
علم الكلام الجديد الذى يريد الاستاذ تقديمه هو علم كلام يريد توظيف الغيب لخدمة الطبيعة و ليس كعلم الكلام القديم الذى كان يوطف الطبيعة لخدمة الغيب.

الجزء الرابع

الفصل الثانى مبدأ الحدوث 
الفصل الثالث مبدأ تجدد الخلق او الخلق المستمر 
الفصل الرابع مبدأ التجويز و الامكان 
الفصل الخامس تداخل الزمان و المكان 

الباب الثالث مسائل تطبيقية 

الفصل الأول مسألة الحركة
الفصل الثانى السببية
الفصل الثالث مسائل فلكية و كونية


مسألة حدوث او قدم العالم: بين عربيين و امازيغى و تركى و كردى و اندلسى و فارسيين لم يجمعهم الا الاسلام و العربية.

ورغم ان العبقرى الآخر النادر ابن حزم الأندلسى مثل ابن رشد كان لا يقبل بوجود الجوهر الفرد الا انه كان يقبل بعدم وجود المالانهاية او كما يصيغها الغزالى و معه باقى المتكلمين بالعبارة: كيف لما يتناهى ان يحتوى على مالايتناهى. ومن هنا استطاع ابن حزم ان يثبت حدوث العالم عبر احدى اقوى الطرق. واذا كان العالم حادث فيجب ان يكون له محدث وهذا بالمنطق العقلى الصرف الذى لا نزاع فيه.
اما المنطق الفيزيائى فقد يعطينا كون نباض نراه نحن حادث لكن هو قديم و ربما هذه لها علاقة بتصور ابن تيمية الكردى-العربى لمسألة خلق العالم فى أن العالم قديم بالذات محدث بالعين.
ولهذا فان الفلاسفة تجدهم ينازعون فى المقدمات الاولى و هى وجود الجوهر الفرد و عدم انفكاك الاعراض عنه و ووجود المالانهاية و لو كمونيا.
فالعالم يجب ان يكون حادثا عند ابن حزم و المتكلمين لان القدم كما يقول ابن جزم نفسه اهم صفة لله سبحانه و تعالى. وكونه اهم صفة هو الدافع الذى دفع المعتزلة الى ما يسميه السنة بالتعطيل و يسميه المعتزلة انفسهم بالتوحيد وهو وحدة الصفات و الذات فليس هناك الا ذات قديمة و صفاتها هى عين تلك الذات.
وطرق اثبات الحدوث عند المتكلمين بالعموم هما اولا نفى قدم العالم اما المسلك الثانى فهو اثبات حدوث الجواهر و الاعراض و الاجسام.
لكن ابن حزم العبقرى لا يثبت فقط تناهى العالم بل ايضا يثبت تناهى الزمان. و اكثر من هذا فهو يثبت ان الزمان و المكان مرتبطان بالجسم وهذا له علاقة وثيقة بنسبية الزمان و المكان و هذا ايضا نتيجة مقبولة عند المتكلمين. ثم يستعمل ايضا دليل الصنع -او ما يسمى اليوم- التصميم الذكى لاثبات الحدوث بشكل مختلف.
ويجمل ابن حزم اعتراضات الدهرية فى خمسة محاور سماها المشاغب الخمسة. فهو رحمه الله مشاغب كبير نفسه فهو يعرف جدا المشاغب عندما يرى واحد.
هذه المشاغب الخمسة لخصها الطائى فى محورين: حدوث الأشياء من العدم غير بين بذاته و دوافع الخلق هل هى طبعية ام لعلة.
اذن ابن حزم رغم مشاكساته العبقرية فهو متكلم مدرسة لوحده لا هو معتزلى و لا هو اشعرى بل هو ابن حزم وكان رحمه الله متحسس جدا من الاشاعرة و خاصة من الاشعرى نفسه.
لكن ابن حزم لم ينتبه او انتبه و رأى شيئا آخر ان القول بالتناهى يتضمن ضمنا القول بالجزء الذى لا يتجزأ. و ان تأسيس القول بالتناهى على القول بالجوهر الفرد هو فى غاية القوة. لكن ابن حزم هو ابن حزم المشاغب فهو ليس سهلا ابدا.
وأحد اسباب هروب الفلاسفة الى قدم العالم هو الهروب من معضلة الترجيح بدون مرجح اى لماذا خلق العالم اذا كان حادث فى ذلك الوقت و ليس فى وقت آخر.
لكن مثلا الغزالى نفسه لا يقول بالترجيح بدون مرجح و يقول فى نفس الوقت بحدوث العالم و قد كفر هؤلاء الفلاسفة فى مسألة قدم العالم هذه بالضبط.
وهذه احدى الاحكام القاسية التى لابد من مراجعتها و الغزالى كغيره ابن زمانه و ابن تكوينه فهو حجة الاسلام اليس كذلك اذن كان لزاما عليه حسم موضوع ابن سينا و الفلاسفة و كذا الباطنية وفلسفة اخوان الصفا و امثالهم و غيرهم بشكل حاسم لا رحمة فيه و هو فعلا فعل ذلك.
والغزالى رغم انه سنى فهو فارسى. اذن لا تذهبوا و تلوموا العرب بل لوموا الفرس بخصوص هذا الامر.
أما ابن رشد المسلم الاندلسى الامازيغى-العربى فهو كان يقول بقدم العالم على مذهب ارسطو لان الله علة غائية اى محرك اول لهذا العالم و المعلول لا يتخلف عن العلة. و العالم قديم بالهيولى و الصورة و الزمان و المكان.
اما بان سينا الفارسى-التركى فهو ايضا يقول ان العالم قديم لكنه صدر عن الله صدورا عن طريق الفيض و عبر العقول العشرة ابتداءا من العقل الاول حتى العقل الفعال. اذن هنا فان الفيض قديم و الزمان قديم اذن العالم قديم بالزمان لكن محدث بالذات.
وهذه جولة سريعة بين آراء هؤلاء العباقرة بخصوص هذه المعضلة و لم يتفقوا بينهم على اى شيء لكن اتفقوا كلهم على الاسلام و على اللغة العربية.


الغزالى حول توسع الكون

...وهذا شيء قد صرح به ارسطو...اعنى ان التزيد فى العظم الى ما غير نهاية مستحيل..
ابن رشد
وهذا بعد ردود طويلة ضعيفة لا تقنع احد الا من العقلانيين الرشديين غير العقلانيين...
فهذا افضل ما عند ابن رشد على الاقل فى هذا الموضوع ..شئ صرح به ارسطو...اذن انتهى الامر الذى فيه تختصمان..
والمعضلة ان ابن رشد الذى هو تابع لأرسطو فى كل شيء -بنسبة مائة بالمائة- يقول ان الزمان قديم ليس له بداية و ليس له نهاية وهو كينونة منفصلة عن المكان الذى هو محدود نهائى يستحيل -هكذا يقول- أن يزيد أو ينقص..وهذا لان ارسطو فقط ذكر ذلك..واؤكد لكم ان اجوبته الاخرى ركيكة ..
والعجيب فى الامر انهم -اى ارسطو و ابن رشد و من تابعهم من المتكلمين المسلمين و اغربهم ابن تيمية الذى لم افهمه لحد الساعة كيف يتبع ابن رشد فى هذه المسائل الخطيرة و ابن رشد فعلا له اجندة مختلفة جدا عن اجندة ابن تيمية- قلت ان العجيب فى الامر انهم يُجوزون تقسيم المادة الى ما لانهاية و لا يجوزون تعاظم الكون الى مالانهاية..
وقد خطأتهم الفيزياء الحديثة فى المسألتين و صححت الغزالى..
ثم ماهو الاخطر الزمن ام المكان?..او بالاحرى ماهو الفرق بين المالانهاية هنا و المالانهاية هناك..
اما الغزالى فهو يقول ان الزمان و المكان مرتبطان عضويا فى الحادث اذن كما ان الزمان له بداية فان المكان يمكن ان يزيد او ينقص..
ونقصد هنا بالمكان العالم..
اذن ابن رشد يقول ان المكان ثابت ساكن اما الغزالى فانه يقول ان المكان قد يتوسع و قد ينكمش و ان العقل الذى تدعونه لا يمنع ذلك..
والفيزياء الحديثة تؤكد ذلك فان الكون يتوسع وقد ينكمش ..
والفرق بين ابن رشد العبقرى و حجة الاسلام الغزالى ان الغزالى اكثر حرية فكرية, اكثر عمقا, اكثر دقة و واسع الافق و مرن -كما يقيمه ايضا الاستاذ الطائى- لا يهمه لا العقل و لا ارسطو العظيم و لا غيره فهو قد وضع مسلمات كلامية عقلية جدا و بسيطة جدا -انظروا المنشور الاول- مستمدة من الوحى الذى نزل على محمد صلى الله عليه و سلم و بنى عليها كل شيء فوصل مثلا الى فهم صحيح لطبيعة المادة و الفضاء-زمن و العالم من بين اشياء اخرى اما مسلمات ابن رشد فهى مسلمات ارسطو التى يحب الدفاع عنها حتى لو لوينا عنق الوحى الى حد الانكسار..
هذه المسلمات الكلامية هى مسلمات اذن لا يمكن البرهان عليها مباشرة و التحقق منها لا يتم الا عبر التحقق الحسى و الرياضى من صحة او خطأ النتائج المترتبة عليها..
اذن فكرة الجوهر الفرد (المعتزلة و الاشاعرة), فكرة نسبية المكان و الزمان و اجتماع كينونتهما فى الحادث (ابن حزم و الغزالى), و فكرة توسع الكون (الغزالى) هى افكار صحيحة ادت اليها المسلمات الكلامية البسيطة و لم تؤدى اليها الانطلاقات الفلسفية الارسطية..
اذن احذروا من العقلانيين الرشديين العرب و مقالاتهم ضد الغزالى غير العقلانى -كما يقولون و يدعون- فالغزالى فى كل دورة اكتشف انه اكثر عقلانية من ابن رشد واهم اما يميز الغزالى عن ابن رشد حريته الفكرية ولهذا فان العقل لا ينفع عند غياب الحرية و ابن رشد يقف كمثال نموذجى...


الغزالى حول نسبية الزمان و المكان
 
يقول الغزالى فى نسبية الزمان و المكان:
فكذلك يقال كما ان البعد المكانى تابع للجسم فالبعد الزمانى تابع للحركة فانه امتداد للحركة كما ان ذلك امتداد اقطار الجسم و كما ان قيام الدليل على تناهى اقطار الجسم منع من اثبات بعد مكانى وراءه فقيام الدليل على تناهى الحركة من طرفيه يمنع من تقدير بعد زمانى وراءه و ان كان الوهم متشبثا بخياله و تقديره و لا يرعوى عنه. و لا فرق بين البعد الزمانى الذى تنقسم العبارة عنه عند الاضافة الى قبل و بعد و بين البعد المكانى الذى تنقسم العبارة عنه عند الاضافة الى فوق و تحت.
اه
اذن هذه هى نسبية الزمان و المكان عند الغزالى فهما حادثان مع العالم و انه قبل خلق العالم لم يكن لا زمان و لا مكان و ان الله كان و لا عالم و لا مكان و لا زمان ثم كان و معه عالم و مكان و زمان.
و انه لا يوجد خارج العالم لا خلاء و لا ملاء و لو تشبث الوهم بذلك كما يقول الغزالى-والوهم عند المتكلمين هو التصور- اذن خارج العالم لا يوجد لا عدم و لا شيء.
و هذا تصور افضل من الفيزياء المعاصرة الذى تريد ان تقول ان خارج العالم هو عدم لكن العدم هو شيء -كما تقول المعتزلة- مملوء بالجسيمات الافتراضية كما تقول الفيزياء الحديثة.
لكن الغزالى يقول ان ذلك وهم فخارج العالم لا خلاء و لا ملاء. فهو شيء غير موجود لا انطولوجيا و لا ابيستيمولوجيا اى ان العلم لا يتعلق به و لو اصر الوهم على التشبت به.



الفلسفة العربية الحديثة: توجه أدبى و ضعف فى التفكير العقلى

يقول الجابرى فى تقديمه لكتاب تهافت التهافت لابن رشد بخصوص الغزالى:
1-شوش على العلم و اضر بالحكمة...
2-العالم من المنظور الفلسفى اليونانى كل مترابط كله ترتيب و نظام..وكل تغيير يطرأ على جزء منه لا بد ان ينعكس على الكل..
3-اما افتراضات الغزالى فهى افتراضات ذهنية تقوم على التجويز و هو المبدأ الأشعرى المعروف..
انتهى الجابرى من قصفه.
وهذا مأخوذ من كتاب الطائى القيم.
اما الجملة الاولى فواضحة استمتعوا بها -او كل من يحقد او ينفر او فقط مستاء من الغزالى و هم كثر جدا فى النخب-.
اما الجملة الثانية فهو يبرر موقف ابن رشد و ابن سينا و قبلهم ارسطو الذين كانوا يقولون ان العالم يتشكل من اربعة عناصر تفسد هى الماء و الهواء و التراب و النار و من عنصر واحد لا يفسد هو الاثير ..وأن الشمس و غيرها من الاجرام السماوية على العكس من الارض تتشكل من الاثير..وعليه فان الشمس لا تفسد و لا تذبل..ثم يذهب هؤلاء العمالقة و يدللون على موقفهم بعلم جالينوس..
بكل بساطة القول بان هناك عنصر فى هذا العالم -وهو الاثير- لا يفسد و لا يذبل هو متناقض مع مبادئ المتكلمين و الغزالى كونه اقوى ناطق رسمى للمتكلمين فى مصاف الفلاسفة انفسهم -باعتراف الاوروبيون انفسهم مثلا راسل الذى يقول فيه كلام جارح مثل الجملة الأولى للجابرى اعلاه- قلت الغزالى يقدم نقد شامل لجالينوس نفسه وجدت اقوى ما فيه ضربه للمثال التالى:
وهذا كما ان الياقوت و الذهب مركبان من العناصر عندهم وهى قابلة للفساد ثم لو وضعت ياقوتة مائة سنة لم يكن نقصها محسوسا فلعل نسبة ما ينقص من الشمس فى مدة تاريخ الارصاد كنسبة ما ينقص من الياقوتة فى مائة سنة وذلك لا يظهر للحس.
اه
اذن الغزالى يقول ان كوننا لا نرى الشمس تنقص بحواسنا لايعنى انها لا تنقص فعلا فهذا يرجع ربما الى كون عمر الشمس المتوسط كبير جدا جدا جدا بالمقارنة مع اعمارنا..
وهذه فعلا النتيجة الفيزيائية المعاصرة فالشمس نجم عمره الآن 5 مليار سنة و ستعيش 5 مليار سنة اخرى و هى تفقد فى الثانية الواحدة ما يقارب ال 3600 مليون طن من كتلتها..اذن هى فعلا تذبل و تفسد لا مناص من هذه النتيجة و فعلا حواسنا لا تدرك ذلك الفساد و ذلك الذبول لان عمرها بالمليارات و عمرنا بضع عشرات و عمر الانسانية بضع الاف و خلال هذه الالاف فان الشمس لم تتغير كثيرا لان الالاف مهملة امام المليارات من السنوات..
اما ابن رشد فهو ارسطى فهو سيدافع عن ارسطو الذى تابع فى هذه المقولة جاليونس..ثم جاء الجابرى و برر لجالينوس على حساب النتيجة العلمية البسيطة..
واننى لا الوم ارسطو و لا جالينوس لانهم قاموا بادوارهم تماما لكننى اكيد الوم الجابرى و اتأسف مرة اخرى لموقف ابن رشد..
ودعنى احاول ان اشخص الموقف هنا..
اظن ان الصراع الفكرى الرشدى ثم التيمى الذى جاء بعده ضد الغزالى هو صراع تمترس و ليس صراع بحث عن الحقيقة..
فابن رشد يعترض على كل نقطة جاء بها الغزالى بدون استثناء واحد و هذا هو تعريف التمترس..
ولا يمكننا يقينا ان نقول نفس المقالة عن صراع الغزالى الفكرى مع ابن سينا و الفلاسفة....فالغزالى قبل مقالات كثيرة للفلاسفة ضمنها كتابه مقاصد الفلاسفة..فهو قبل تماما الرياضيات و المنطق و الطبيعيات بصفة عامة -باستثناءات مثل التى ذكرناها اعلاه لانها تعارضت مع احدى مسلماته الاساسية- و هو قبل ايضا من الفلاسفة تطبيق القياس فى الالهيات رغم تحذيره الدائم انه لا يمكن الوفاء به فقياس الغائب على الشاهد قد يؤدى الى محاذير كثيرة لان الغائب ليس كمثله شيء..
اذن الجملة الثانية للجابرى اعلاه هو تبرير من الجابرى لابن رشد و جالينوس -و كأنهما طلبا منه ذلك- ضد الغزالى و اسوء من هذا فهو تبرير ضد العلم الصحيح اليقينى نفسه...
وهنا اضيف و اقول ان معضلة الفلسفة العربية الحديثة الاخرى ان كل من يعمل بها هم من اهل الادب رغم انها اقرب الى العلم منها الى الادب خاصة الفلسفة التحليلة الانجلوساكسونية التى هى المعيار و التى هى الوحيدة التى يجب ان يعتد بها..
اذن تدريس الفلسفة عندنا يطغى عليه الادب الذى لا يعرف ابسط الابجديات فى الرياضيات و الفيزياء و المنطق..
ثم ان اغلب الذين يتوجهون الى الفلسفة بالاضافة الى كونهم ذوى طابع ادبى هم من اضعف الطلبة من الناحية العقلية التنظيرية -فهؤلاء اى الاقوياء يذهبون للطب حتى ان تخصصات الفيزياء و الرياضيات الاكثر عقلية لا تتوفر عليهم-..
اذن اجتمع على الفلسفة العربية الحديثة التفكير الادبى مع الضعف العقلى..
ودليل على هذا الذى ذكرته آخرا هو الجملة الثالثة اعلاه للجابرى..
فهو يلوم الغزالى لانه اعتمد على الافتراضات الذهنية (وهذه هى طريقة الفلسفة اصلا أليس كذلك: ماذا لدينا غير الافتراض ثم الاستنتاج من ذلك الافتراض-سبحان الله) اذن هو يلوم الغزالى على تلك الافتراضات الذهنية التى تعتمد على مبدأ التجويز..
وهو لا يعلم ان الفيزياء الكمومية الحديثة قد اسقطت الضرورات السببية الحتمية و عوضتها بالضرورات السببية اللاحتمية و هذا هو مبدأ التجويز احدى اعمق مسلمات الغزالى و علم الكلام الاساسية الصحيحة تماما بالمنظور العلمى المعاصر..
وهذا فقط لحسن حظنا او حسن حظ علم الكلام او حسن حظ الثقافة العربية لكن لا احد يريد استغلال هذه الحظوط الحسنة الثلاثة التى حبانا بها الله سبحانه و تعالى لتطوير فلسفة اسلامية اصيلة -وهو مصطلح الجابرى نفسه فى مكان آخر واصفا علم الكلام نفسه فماذا حدث له هنا أهى لوثة الرشدية غلبت حياديته الموضوعية-..
اذن الغزالى هو الذى شوش على العلم و الحكمة..
اذن رجعنا الى المربع الصفر و نفرنا منكم اجمعين ايتها الفلسفة العربية الحديثة التى مازالت تريد نقد العقل العربى -واظنهم يقصدون الغزالى- و ربما الغزالى هو آخر العقل العربى و هم لا يعلمون...


الجزء الخامس

فى هذا الجزء الخامس و الاخير انتقيت 3 مواضيع هى 1) مبدأ الخلق المستمر و معضلة الرصد الكمومى, 2) السببية و الخطيئة الاولى للغزالى, 3) الطفرة و النظام اول مفكر كمومى.

مبدأ الخلق المستمر و معضلة الرصد الكمومى

مبدأ تجدد الخلق او الخلق المستمر يعتمد على القول بأن الاعراض لا تبقى آنين. وهو رأى الاشاعرة و المعتزلة على السواء. وهو يؤدى الى مبدأ التجويز اى القول باللاحتمية.
ويقول الطائى ان تجدد الخلق يعنى تجدد المخلوق اى تطويره و هو ما يقع تحت ما يسمى الجدلية الطبيعية لماركس. اى ان الطبيعة ليست ثابتة و تتوفر على احوال آنية متجددة و ان ثبات العالم الملحوظ يعنى اننا لا نعبر عن العالم بدلالة القيم الآنية لكن بدلالة قيم متوسطة و هذا يؤدى مباشرة الى مبادئ ارتياب.
والاعراض المتجددة هى بالضبط القيم الفيزيائية الكمومية التى نرغب فى رصدها. فالعرض اذن يأخذ قيما آنية مختلفة تتراوح فى مجال محدود ضيق او واسع حسب حالة الجملة. وهذه القيم الآنية -حسب الطائى- هى القيم الذاتية للمؤثر المرفق بالقيمة الفيزيائية قيد الرصد. والطائى يذكر اننا لا نقيس القيم الآنية بل نقيس القيمة المتوقعة. وليس هذا ما افهمه شخصيا بل اننا نقيس فعلا الآنية و المتوقعة هى متوسط القياسات.
اذن اذا كانت سرعة تجدد الاعراض كبيرة كانت القيم الآنية اقرب الى القيمة المتوقعة اى ان نطاق تغير القيم الآنية حول المتوسطة ضيق وهذا مثل الذى يحدث فى العالم الماكروسكوبى. اما اذا كانت سرعة تجدد الاعراض صغيرة كانت القيم الآنية ابعد عن القيمة المتوسطة لان نطاق تغير القيم الآنية حول المتوسطة واسع و هذا هو حال العالم الميكروسكوبى.
وهذا ما يفسر ظهور الصفات الكمومية فى العالم الميكروسكوبى. وعلى ان اذكر ان الاستاذ يعرف سرعة تبدل العرض على انها التواتر او التردد الكهرومغناطيسى.
اذن التجدد فى الخلق يؤدى الى تغير مستمر فى الاعراض و هذا يؤدى بدوره الى نوع من الارتياب او اللاتيقن فى قياس الكميات الفيزيائية. وهو يقدم بالخصوص تفسير لمبدأ الارتياب لهايزنبرغ انطلاقا من هذا المبدأ.
ويلاحظ ان اللاتيقن يختفى اذا اصبحت سرعة تغير العرض لانهائية. هل هذا يعنى ان الميكانيك الكلاسيكى يتميز بسرعة تبدل لا نهائية. الجواب يبدو نعم.
ثم يقدم الاستاذ بعد ذلك الحل الكلامى لمعضلة الرصد الكمومى انطلاقا من مبدأ تجدد الخلق. و اظنه قد اعطى فى هذا الحل تفسيرا لكيفية ظهور اللاحتمية و مبدأ الارتياب لهايزنبرغ و ليس لمعضلة الرصد التى هى شيء أخطر و اعمق او هكذا فهمت الأمر. وفى ثنايا هذا النقاش يشير الاستاذ الى شناعات تفسير كوينهاغن رغم اننى اظن ان تفسير كوينهاغن هو الاقرب فعلا الى روح مبدأ الخلق المتجدد و ان غيره من التفاسير يريد الى الهروب بالضبط من هكذا نوع من التفاسير.

السببية و الخطيئة الاولى للغزالى

وهذا موضوع اساسى فى العلم و الفلسفة كما يتفق الكل و كما يذكر الاستاذ على لسان الاستاذة يمنى الخولى.
وقد اختلفت فيه الآراء. لكن ابدأ فى ذكر رأى فيلسوف الهى (كانط) و فيلسوف دهرى (دهرى) يمكن ان نثق فيهما رغم ايمان الاول و عدم ايمان الثانى. و قد اتفق الفيلسوف الثانى بعد ارسطو (كانط او هيوم حسب الذوق) مع الفيلسوف الثالث بعد ارسطو (هيوم او كانط حسب الذوق) اننا لا يمكن البرهنة بشكل حاسم على القضية الميتافيزقية (لكل حادث سبب) لا حسيا و لا عقليا. اذن هى اما مسلمة او انها شيء-فى-ذاته. وهيوم بالخصوص (فهو الاساس هنا) يقول بالاقترانية associanism بمعنى ان كل ما لدينا هو الاقترانات التى نراها بين السبب و المسبب وليس ان السبب فعلا هو الذى اثر على المسبب فهذه لا مجال للبرهان عليها حسيا او منطقيا. و سنراجع ان شاء الله موقف هيوم بشكل دقيق فى المستقبل لاهميته القصوى.
اما عند الفلاسفة الارسطيين فهم يقولون بالسببية الطبيعية اى الحتمية اما المتكلمين فهم يقولون بالسببية اللاحتمية. وهنا تجب الاشارة الى موقف المعتزلة الذى هو ضمن الاطار الكلامى عكس ما اشتهر عنهم و ايضا فان موقف الاشاعرة هو ايضا ضمن الاطار السببى اللاحتمى او ما يسمونه مبدأ التجويز.
اما التشنيع الذى ابتدأه ابن رشد بأن الغزالى نفى السببية و انه عطل الاسباب و ان من عطل الاسباب فقد وقع فى الالحاد و غيرها فهو تشنيع لن نرد عليه و نترك الكتابات الغزالية-الرشدية ترد عليه.
الغزالى يقول بمبدأ العادة و هو لا يفترق كثيرا عن الاقترانية الهيومية. و مبدأ العادة هو مبدأ السببية بدون حتمية. اذن حتى يقع المسبب يجب وجود السبب وبعد وجود السبب فان المسبب يقع على التجويز و الامكان و ليس وجوبا عقليا و لا طبيعيا. اذن العالم ممكن جائز احتمالى و ليس واجب حتمى يقينى.
واساس هذا المبدأ عند المتكلمين تجدد الاعراض ونفى القول بالطبائع (القوانين الطبيعية) اى ان الطبائع لا تفعل بذاتها لكنها تفعل بواسطة. اذن مبدأ التجويز يقوم على مبدأ الخلق المتجدد و الهدف العقدى من وراءه هو الحفاظ على قيومية الله سبحانه و تعالى فى العالم و فى كون الله قدير فاعل مختار.
والميكانيك الكمومى سببى يقينا لكنه ليس حتمى ايضا يقينا. اذن السببية اللاحتمية مغروسة فى النظرية الاساسية للطبيعة.
والبعض من الدهرية استخدموا السببية اللاحتمية لتضعيف مبدأ الحدوث. وهذا ليس بسليم البتة لان السببية اللاحتمية هى سببية لكنها ليست حتمية اذن كل حادث له سبب يقينا اما الذى وقع فيه الاحتمال هو هل هذا السبب بعينه يؤدى الى هذا الحادث فهذا الربط ليس حتمى. المسبب او المعلول يوجد عند السبب او العلة و لكن ليس بالسبب و العلة.
ومبدأ التجويز يقول به حتى المعتزلة خاصة القاضى عبد الجبار فهو صراحة يقول بالعادة ونفى الطبائع. ثم يعمد الاستاذ الطائى الى بسط اراء الباقلانى بكثير من التفصيل و الباقلانى هو اساس الغزالى فى هذا الامر. والغزالى رغم انه يقر بالطبائع الا انه يجعلها مسخرة لله تعالى فالطبع عنده لا يفعل بذاته لكن يفعل بأمر الله سبحانه و تعالى. وهذا قريب من راى ابن حزم الظاهرى -و النظام المعتزلى- فهو يثبت الطبائع لكن لا ينفى مبدأ التجويز.
اذن مبدأ العادة الغزالى هو نفسه مبدأ السببية اللاحتمية و هو نفى للاحتمية و ليس هو نفى للسببية. وهذه هى خلاصة الامر. فالعلاقة بين السبب و المسبب هى علاقة اقتران لا غير و مانراه من تكرار حصول الظاهرة هو فقط مستقر العادة فيها. اذن الطبائع لا تفعل بذاتها و القانون الطبيعى ليس حتمى.
وهذه هى الخطيئة الاولى للغزالى على رأى خصومه..
يقول الطائى فى الغزالى كلمة اقل ما فيها انها رائعة يقول:
ربما كان الغزالى اكثر مفكرى الاسلام وعيا بالمفاهيم واعمقهم غورا فى فهم العقيدة واكثرهم دقة فى الموازنة بين مراد الله و حقيقة العالم. فكلما نظرت فيما تكلم به هذا العملاق وجدته بيعبر عن حقيقة الاشياء بدقة قل نظيرها.

الطفرة و النظام اول مفكر كمومى

النظام هو اول اساتذة الاعتزال الكبار. وهو كان ينفى وجود الجوهر الفرد و ينفى الاعراض باسثناء الحركات و يثبت الطبائع ورغم هذا فهو يدخل فى اطار المتكلمين القائلين بالخلق المتجدد و التجويز.
وهو ايضا قد نفى السكون فكل شيء عنده فى حركة.
والمتكلمون القائلون بالجوهر الفرد توصلوا الى ان المكان و الزمان و الحركة كلها يجب ان تكون مكممة. وهذا يتصوره المتكلمة بتصور الحركة يتخللها سكنات, و الحركة التى تتخللها سكنات كثيرة هى حركة بطيئة و التى تتخللها سكنات قليلة هى حركة سريعة. ويقدم الاستاذ فى كتابه النموذج الرياضى الذى يصف هذا التصور الكلامى للحركة.
لكن النظام العبقرى فهو قد وقع فى ورطة مختلفة. فهو قد نفى الجوهر الفرد وبنفيه فانه وقع فى ورطة هى نفسها تناقض زينون: كيف يمكن لجسم ان يقطع مسافة منتهية فى زمن منته. هنا بانت عبقرية النظام و قال بالطفرة فالجسم عند انتقاله من نقطة الى اخرى فانه ليس من الضرورى ان يمر عبر كل النقاط بينهما لكن يمكن ان يطفر من هنا الى هناك دون المرور بما بينهما و هذا هو الذى نعرفه اليوم بتأثير النفق الكمومى quantum tunnelling effect. وقد قال ماكس جامر Max Jammer معلقا على هذا بالقول ان النظام هو اول مفكر كمومى رائد.

Comments