الصدفة التى هى خير من x صدفة!!


وعندما سئل القديس اوغستين ماذا كان الله سبحانه و تعالى يفعل قبل ان يخلق العالم كان يرد متهكما على سذاجة من يسأل-وهم كثر دائما-: ان الله كان يُحضر فى جهنم بالضبط لهذا النوع من الناس الذين يسألون هذا النوع من الاسئلة.
اما جواب اوغستين الحقيقى فهو فلسفة بأكملها فى مفهوم الزمن ضمنها كتابه اعترافات Confession الذى هو اول كتاب سيرة ذاتية فلسفى فى التاريخ. و مضمون فلسفته ان الزمن مخلوق خُلق مع خلق العالم و انه قبل ان يخلق الله العالم لم يكن هناك زمن مثلما انه لم يكن هناك مكان.
و بعد ان خلق الله الزمن فانه خلق له سهم وهذا يعنى ان ما نراه تدفق من الماضى الى المستقبل عبر الحاضر امر موضوعى حقيقى و ليس وهم بشرى او وجهة نظر انسانية. و ان الحاضر فقط موجود اما الماضى و المستقبل فغير موجودان. و ان الماضى مختلف عن المستقبل فى كونه وُجد و انعدم اما المستقبل فلم يوجد بعد. و ان الواقع هو عبارة عن الحاضر الذى يتكشف له المستقبل بعد ان يغيب عنه الماضى رويدا رويدا.
و ان الزمن هو حركة و تغير و هو يجب ان ينتهى فى الماضى لانتهاء الحوادث هناك اما فى المستقبل فيمكن ان يكون الامر مختلف وهذا امر عجز عن فهمه الكثير فى اليونان و المسيحية و الاسلام الذين لم يقبلوا او لم يستوعبوا استحالة الدور.
وهذه النظرة الفلسفية فى الزمن هى نظرة عميقة -فلا تستسهلوها- تعرف باسم الاوغستينية -ونقيضها الارخميديسية نسبة الى ارخميدس-وقد تبناها فى الاسلام كل من المدرستين الكلاميتين الاساسيتين المعتزلة و الاشاعرة -و خاصة اذكر هنا تنظير الغزالى- ووقف ضدها لاسباب مختلفة الفلاسفة و ابن تيمية.
وقد كان اذكى المعارضين لهذه النظرة فى الاسلام ابن رشد الحفيد الذى استوعب صعوبة ذهاب الزمن الى مالانهاية فى الماضى فانتبه الى حل ذكى -ليس بحل حقيقة- هو فى الحقيقة حل طوبولوجى حيث وضع الزمن ليس على المستقيم لكن على الدائرة...اذن رغم ان الزمن لانهائى فهو دورى وهو حل وسط تبناه ابن رشد لكنه غير كافى بالنسبة لغيره..
ومن اجمل ما قاله اوغستين فى الزمن فيما معناه هو: اذا لم يسألنى احد عن ماهية الزمن فاننى اعرفه اما اذا سُئلت فاننى لا اعرفه.
وهو ايضا قد ربطه بالعقل وبخاصة ملكة الذاكرة الانسانية..
وتبقى نظرة السهم فى الزمن الأوغستينية القليل جدا من يتبناها فى الفيزياء النظرية الحديثة وهى تعرف باسم معضلة السهم وهى معضلة عويصة لان كل الفيزياء -تقريبا- هى متناظرة فى الزمن فكيف يمكن اذن ان ينبثق سهم فى الزمن يتقدم من الماضى الى الحاضر من معادلات فيزيائية لا تميز بين الماضى و الحاضر?..
اهم وصف لهذا الامر -حسب رأى الاغلبية- هو السهم الترموديناميكى للمبدأ الثانى الذى يبدو انه راجع الى الحالة الابتدائية المخصوصة جدا للكون الابتدائى الذى كان يتميز بما يسمى النعومة smoothness التى نرى اليوم اثرها فى اشعاع ال CMB او اشعاع الخلفية الميكروية الذى هو اشعاع جسم اسود ينبعث فى ارجاء الكون فى كل نقاطة و فى كل الاتجاهات عند درجة حرارة 2,7 كلفن..
هذا الاشعاع الناعم هو اكبر الادلة على وجود الانفحار الاكبر و ايضا على ان الكون فى بدايته كان ناعما الى حدود غير معقولة..
وهذه الحالة الناعمة هى التى تؤدى الى انتروبى منخفض جدا جدا للكون الابتدائى..
وحتى يستوعب القارئ مدى خصوصية هذه الحالة الابتدائية او النعومة فاننا نذكر ان التوسع الكونى لو رجعنا به الى الماضى تحت تأثير العكس فى الزمن حيث يصبح التوسع انقباض فاننا سنلاحظ نقصان للانتروبى بشكل مستمر لكن لن نصل ابدا لقيمة انتروبى الحالة الناعمة للكون البدائى..
بعبارة اخرى فان القيمة المنخفضة للانتروبى الابتدائى ليست ناجمة عن التوسع العكسى..فهناك شيء آخر...
لأهمية هذه النقطة نشرحها بشكل مختلف..الكون نشأ عن تقلب كمومى عشوائى من العدم -هكذا تريد ان تقول الفيزياء-...
لكن الاغلبية الساحقة من هذه التقلبات الكمومية العشوائية لم تتميز بتلك النعومة التى تميز بها كوننا فى لحظاته الابتدائية...
وقد حسب بنروز Penrose فى كتابه العقل الامبراطور احتمال نشوء هذا الكون بتلك الحالة الابتدائية من النعومة ذات الانتروبى المنخفض جدا جدا فوجد انها تساوى واحد من عشرة للقوة عشرة للقوة 123...
انظر العدد فى الصورة..
اذن هذا احتمال صغير جدا جدا..فهى رغم انها صدفة الا انها صدفة تحتاج فى نفسها الى صدفة لتحققها...
فهذه صدفة خير من الف صدفة..ولو ان الالف هى ليست ال 1000 لكن العدد الذى فى الصورة الذى لا يمكن للكون بمجمله لو كان حاسوبا ان يخزنه...
اذن الفيزياء النظرية تقول ان الكون رغم انه نشأ من تقلب كمومى عشوائى الا انه تقلب عشوائى غير-قياسى atypical بالمرة...بعبارة اخرى هو تقلب كمومى استثنائى جدا جدا...
هذا هو اصل السهم فى الزمن..هو تلك النعومة المذهلة للكون -اى التوزيع المتجانس homogeneous اى فى كل النقاط و الايزوتروبى isotropic اى فى كل الاتجاهات للمادة- الذى تتميز به الحالة الابتدائية غير-القياسية للكون...
هذا يمكن شرحه بطريقة ثالثة كما يلى..عندما نذهب الى الماضى فان الكون ينقبض و ينكمش و هذا يعنى ان الكون سيتصرف مثل نجم منهار ثقاليا اى ثقب اسود..لكن القوة الثقالية هى قوة تجاذب و ليست قوة تنافر مثل التى توجد فى الغاز...اذن الحالة الطبيعة فى الكون الذى يخضع للثقالة عندما ينهار هى حالة تتجمع clump فيها المادة فى نقطة معينة -مثل الذى يحدث فى الثقب الاسود- وليس حالة تكون فيها المادة موزعة بانتظام فى الحجم وهو الذى يحدث فعلا فى الكون..
لو قارنتم بالغاز فهذا فعلا الذى يحدث ..ذرات الغاز بسبب قوى التنافر بينها تريد ان تتوزع بانتظام فى الحجم..
اذن هذا الذى يحدث فى الغاز مفهوم جدا لكنه غامض جدا بالنسبة للكون لان الكون يخضع للثقالة التى هى قوة تجاذب...
اذن من اين نشأ السهم فى الزمن او بالمقابل كيف نفسر الحالة الابتدائية الناعمة للكون البدائى..
شرحت فى المرة السابقة نموذج بولتزمان و هو نموذج قديم لكن قوى جدا..
لكن ايضا هناك اليوم نموذج هاوكينغ المعروف باسم دالة موجة الكون لهاوكيغ و هارتل Hartle-Hawking wave function وايضا يعرف باسم اقتراح اللاشرط الحدى the no-boundary proposal الذى نترك شرحه لفرصة اخرى ان شاء الله..
وهاوكيغ كغيره يرفض فعلا موضوعية السهم فى الزمن و هو يريد ان يفسر كيف يظهر السهم فى الزمن على العكس من بولتزمان الذى لا يرفض يالضرورة السهم فى الزمن بل يريد أن يفسره فقط..وهناك فرق ميتافيزقيى هنا لو تأملتم..
هناك ايضا استثناء بين الفيزيائيين متمثل فى بنروز الذى يقر ان السهم فى الزمن هو فعلا حقيقى موضوعى لا يحتاج الى انبثاق من القوانين الفيزيائية المتناظرة تحت تأثير العكس فى الزمن-لان هذا غير ممكن فى الحقيقة- لكن يحتاج الى قانون فيزيائى مستقل بذاته لوصفه سماه فرضية انحناء وايل Weyl curvature hypothesis و الذى ينص على ان تنسور الانحناء لوايل Weyl curvature tensor يجب ان ينعدم عندما نقترب من مفردة الانفجار الاكبر و هو الذى يؤدى الى قيمة منخفضة جدا للانتروبى...اذن السهم فى الزمن هو قانون اساسى فيزيائى مستقل تماما على هذا الرأى... و شخصيا اننى اميل الى هذا...
اذكر فقط ان تنسور الانحناء لوايل هو المسؤول عن قوى المد و الجزر الثقالية و الاشعاع الثقالى و هو يحصل عليه تقنيا من تنسور الانحناء لريمان Riemann curvature tensor الاكثر اساسية عبر طرح مختلف الاثار traces..
اذن بنروز مثل بولتزمان هو متابع للقديس اوغستين فى ان الزمن له فعلا بداية و له اتجاه و يضع له من اجل ذلك قانون اساسى منفصل....
اذن هو لا يغتر بالتناظر تحت العكس فى الزمن -المحورى- الذى تتميز به كل الفيزياء او فى الحقيقة اغلبية الفيزياء لان التفاعلات النووية الاشعاعية الضعيفة (مثلا جسيم الكاوون) لا تحترم اصلا التناظر تحت العكس فى الزمن..
اذن لماذا الاصرار من المجتمع الفيزيائى على محاولة استخراج السهم فى الزمن من فيزياء ليست اصلا متناظرة فعليا او على الاقل تماما تحت تأثير العكس فى الزمن..
وهو موضوع آخر عميق فى فيزياء الجسيمات الاولية يمكن ان نرجع اليه فى فرصة اخرى ان شاء الله...
 

Comments