LATEX

الميكانيك العقلانى و الميكانيك ماوراء العقلانى..


وتبقى الفيزياء النظرية أهم نموذج عقلانى منظم مرتب ممنهج للتفكير العقلانى الذى كان اغلبه و بشكل ساحق غربى للأسف -علينا ان نقر بذلك- وهذا ما يجعلنى استحى من كثير من الادعاءات التى اسمعها منذ وعيت و مازلت تردد على مسامعنا هنا و هناك.
واهم نماذج التفكير الفيزيائية النظرية يبقى الميكانيك الكلاسيكى بشموخه اعظمها على الاطلاق.. و البعض قد يسميه الميكانيك التحليلى وهو النموذج المثالى الذى يجب ان يحتذى بدون منازع فى الفيزياء و غيرها..
وما نسميه بالفيزياء الكلاسيكية هو كل شيء مبنى على الميكانيك التحليلى..ومقابله هو الفيزياء الكمومية التى هى كل شيئ آخر مبنى على الميكانيك الكمومى..
والكمومى هو الاساس..والكلاسيكى ليس فى المحصلة الا تقريب أولى للميكانيك الكمومى..او هكذا نفهمه اليوم...
واشير هنا قبل ان أبدأ ان النسبية تدخل فى الاطار العام للفيزياء الكلاسيكية و بالتالى فهى ليست اكثر اساسية من الميكانيك الكمومى..
اما الميكانيك التحليلى او الكلاسيكى فأهم ما يميزه هو العقلانية حتى ان بعض الناس يسميه ايضا بالميكانيك العقلانى...
وأغلب الطلبة و كثير من الاساتذة يأتى للميكانيك الكلاسيكى ظانا انه سيدرس قوانين نيوتن المملة مرة اخرى او بعض التطبيقات لها و اكثر ما يستهويهم الاهتزازات وانى لا ادرى السر وراء ذلك..فالاهتزازات مهمة جدا فى الطبيعة و التكنولوجيا لكنها ليست اساسية فى الميكانيك التحليلى بأى شكل من الاشكال...
فالميكانيك التحليلى هو رياضيات وهو بالضبط هندسة وهذا ما سنحاول ان نشرحه فى هذه العجالة..
الميكانيك التحليلى يأتى فى صياغتين اساسيتين نهائيتين لما بعد نيوتن post Newton هما اولا الصياغة اللاغرانجية -نسبة للاغرانج Lagrange الفرنسى- و ثانيا الصياغة الهاملتونية-نسبة لهاميلتون Hamilton الايرلندى-..
اولا عندما نأخذ جملة فيزيائية تتحرك او تتغير فى الزمن فاننا نحتاج ان نصفها بعدد معين من الاعداد تسمى درجات الحرية degrees of freedom يرمز لها ب q_i حيث ان الدليل i يأخذ القيم من 1 الى n..و n هو بالضبط عدد درجات الحرية...
مثلا جسيم حر فى ثلاثة ابعاد نحتاج الى 3 اعداد لوصفه..اما جسيم يتحرك على سطح كرة فاننا نحتاج الى عددين لوصفه..وجسيم يتحرك على خط فاننا نصفه بعدد واحد و هكذا...
درجات الحرية q_i تسمى ايضا الاحداثيات المعممة generalized coordinates للجملة و هى تصف حالة الجملة فى فضاء يسمى فضاء التشكيلات configuration space...
وفضاء التشكيلات ليس هو بالضرورة الفضاء الفيزيائى الذى تتحرك فيه الجملة بل هو الفضاء الذى كل نقطة فيه تُعبر عن حالة او تشكيلة واحدة ممكنة و معينة للجملة...
اذن كل نقطة فى هذا الفضاء تعطى بالاحداثيات المعممة
(q_1,q_2,....,q_n)
على هذا الفضاء المسار من نقطة 1 الى نقطة 2 كيفيتان يسمى طريق..
وعلى هذا الطريق يمكن ان نعرف الطاقة الحركية T للجملة و الطاقة الكامنة V للجملة...
اذن بين كل نقطة 1 و نقطة 2 كيفيتان فى فضاء التشكيلات هناك عدد لا نهائى من الطرق التى تربط بين النقطتين...
لكن ماهو الطريق الحقيقى -و يسمى ايضا بالطريق الكلاسيكى- الذى سوف تتبعه الجملة حقيقة...
لايجاد هذا الطريق يقدم لاغرانج الحل التالى..
كل طريق قلنا هو مرفق به طاقة حركية T و طاقة كامنة V...
لاغرانج يشكل دالة جديدة تسمى اللاغرانجية Lagrangian -نسبة اليه مرة اخرى- هى بالضبط الفرق بين الطاقة الحركية و الطاقة الكامنة..
انظر المعادلة الاولى فى الصورة الاولى...
الآن لاغرانج يقول ان وزن كل طريق-أى اهمية كل طريق بالمقارنة مع الطرق الاخرى- يعطى بدلالة دالة تسمى الفعل action ويرمزله ب S وهى تعطى على شكل تكامل دالة اللاغرانجية من النقطة 1 الى النقطة 2 فى فضاء التشكيلات... انظر المعادلة الثانية فى الصورة الاولى..
للحصول على الطريق الحقيقية التى ستتبعها الجملة نطبق مبدأ من اعظم مبادئ الفيزياء الكلاسيكية: مبدأ الفعل الاصغرى لهاميلتون principle of least action of Hamilton الذى ينص بكل بساطة على ان الجملة سوف تتبع الطريق الذى يتميز بأقل قيمة ممكنة للفعل S...
تذكروا مثلا مبدأ انتشار الضوء الكلاسيكى الذى ينص على ان الضوء يتبع اقصر طريق ممكنة بين نقطتين..
هذا هو مبدأ الفعل الاصغرى لهاميلتون بالنسبة للضوء..
بالنسبة لأى جملة فيزيائية -ميكانيكية او ضوئية او كهربائية او مغناطيسية او...- فان مبدأ الفعل الاصغرى لهاميلتون ينص على ان الجملة سوف تتبع الطريق فى فضاء التشكيلات الذى يتميز باٌقل قيمة ممكنة للفعل S...
بعد اجراء هذا الحساب باستعمال التحليل التفاضلى نحصل بالضبط على معادلات اولر-لاغرانج..المعادلة الثالثة فى الصورة الاولى... اذن الجملة سوف تتبع فى فضاء التشكيلات الطريق الذى يتميز بأقل قيمة معينة للفعل و هذا الطريق بعد الحساب يتبين انه يجب ان يكون حلا لمعادلات اولر-لاغرانج Euler-Lagrange equations...
هذه هى الصياغة اللاغرانجية Lagrangian formulation...
الصياغة الهاميلتونية Hamiltonian formulation هى صياغة رياضية مختلفة لكنها مكافئة تماما فيزيائيا..
فى هذه الحالة نحتاج ان نعرف حالة الجملة فى فضاء جديد يسمى فضاء الطور phase space...
احداثيات هذا الفضاء هى بالضبط الاحداثيات المعممة q_i...
لكن كل احداثية معممة يجب ان تكون مرفقة بكمية حركة معممة generalized momenta يرمز لها ب p_i...
اذن كل حالة فى فضاء الطور هى نقطة معطاة بالاحداثيات و كميات الحركة المعممة
(q_1,q_2,...q_n,p_1,p_2,...,p_n)
وحتى استبق الاحداث اقول ان كميات الحركة المعممة p_i ليست هى بالضرورة كميات الحركة التى تعرفونها و التى تعطى بجداء الكتلة فى السرعة...
كمية الحركة المعممة p_i هى كمية الحركة القانونية canonical -هكذا تسمى- المرفقة بالاحداثية المعممة q_i...وهى نحصل عليها باشتقاق اللاغرانجية L بالنسبة للسرعة المعممة اى dq_i/dt و التى نرمز لها عادة بوضع نقطة على الاحداثية المعممة q_i ...الزوج (q_i,p_i) المشكل من الاحداثية المعممة و كمية الحركة المعممة المرفقة بها يسمى زوج قانونى canonical pair و الاحداثيات q_i و p_i تسمى متغيرات مترافقة conjugate variables...
اذن بعد ان عرفنا حالة الجملة فى فضاء الطور على انها نقطة باحداثيات معطاة بالاحداثيات المعممة و كميات الحركة المعممة المرفقة بها نعرف دالة جديدة على فضاء الطور تسمى الهاميلتونية Hamiltonian...
والهاميلتونية اسهل على الفهم من اللاغرانيجة لانها بكل بساطة تساوى الطاقة الكلية للجملة اى الطاقة الحركية زائد الطاقة الكامنة اى
H=T+V
العلاقة الرياضية المضبوطة بين الهاميلتونية و اللاغرنجية هى عبارة عن تحويل لوجوندر Legendre transformation حيث ان المتغير الذى يقع عليه التحويل هو بالضبط السرعة المعممة التى تتحول الى كمية الحركة المعممة و هذا يؤدى الى تحويل لوجوندر لللاغرانجية الى الهاميلتونية..فى اغلب الحالات فان النتيجة هى ان الهاميلتونية تعطة كما فى الاعلى بالطاقة الكلية...
انظر الصورة الثانية...
مرة اخرى نبحث الآن عن الطريق الفيزيائى الذى يربط بين اى نقطتين 1 و 2 فى فضاء الطور عن طريق التعبير عن الفعل بدلالة الهاميلتونية و تحويل لوجوندر ثم تطبيق مبدأ الفعل الاصغرى لهاميلتون مرة اخرى...فى هذا الحالة فان هذا المبدأ يسمى مبدأ الفعل الاصغرى المعدل لهاميلتون modified principle of least action of Hamilton...
اذن الطريق الفيزيائى هو الطريق فى فضاء الطور الذى يتميز باقل قيمة للفعل..وفى هذه الحالة بعد اجراء الاشتقاق فاننا نجد ان هذا الطريق يجب ان يحقق معادلات جديدة تسمى معادلات هاميلتون وهى معادلات تفاضلية من الرتبة الاولى عكس معادلات اولر-لاغرانج التى هى معادلات تفاضلية من الدرجة الثانية..انظر الصورة الثالثة..
وهذه هى الصياغة الهاميلتونية...
اشير فى الاخير ان الميكانيك التحليلى فى بعض الاحيان تطغى عليه الصياغة الهاميلتونية الى الحد انه يتحول الى هندسة تسمى الهندسة السمبليكيتة symplectic geometry ففضاء الطور هو مثال على فضاء سمبليكتى...
اما فى نظرية الحقول الكمومية الكمومية و نظرية الاوتار فان الذى يطغى اكثر فهو الصياغة اللاغرانجية لان اللاغرنحية عكس الهاميلتونية لا تحتاج الى تعريف اتجاه الزمن و بالتالى فهى اكثر تلائما مع النسبية...
وللاشارة ايضا فان طريقة التكميم عبر تكاملات الطريق path integral quantization هى الاكثر طغيانا فى نظرية الحقل و هى طريقة تعتمد الصياغة اللاغرانجية عكس طريقة التكميم القانونية canonical quantization التى تعتمد الصياغة الهاميلتونية...
وكل له نقاط قوة عظمى و نقاط ضعف..
اذن الميكانيك الكلاسيكى التحليلى العقلانى هو النموذج المثالى لكل التفكير الكلاسيكى الارسطى فى الفيزياء و الرياضيات بدون منازع...وكون الميكانيك الكمومى لم يتمكن القوم لحد الساعة من اخضاعه لمثل هذا الحزم العقلى هو الذى يجعلهم يتخوفون منه و من كونه قد يكون ميكانيك غير عقلانى..اقول الميكانيك الكمومى لا يفعل الا ان يشير الى ان هناك قوى تتسامى فوق العقل لا ندرك كنهها فقط..
وهذه هى بعض الميتافيزيقا الفيزيائية التى اثق فيها رغم غمائضيتها العميقة...




ملاحظات على السريع


ولمن يدرس و يصبر ويجد من يوجهه -وهذه شروط ثلاثة ضرورية لكن غير كافية- فانه سيرى ان العلاقة او بالاحرى العلاقات بين:
- اولا التحولات الطورية من الدرجة الثانية second order phase transitions للميكانيك الاحصائى statistical mechanics..
-ثانيا معادلة زمرة اعادة التنظيم renormalization group equation لنظرية الحقل الكمومى quantum field theory..
-ثالثا نظرية الحقل الكونفورمال conformal field theory لنظرية الوتر الممتاز superstring theory..
هى من اعمق ما يكون..وكلما ادرك المرء عمقا انكشفت له اعماق اخرى تحته..
وتذكروا ان الكونفورمال نعنى بها ان هناك تناظرات اضافية تسمى تناظرات السلم scaling transformations تميز الجملة بالاضافة الى الانسحابات و الدورانات..والجملة التى تتميز بهذه التناظرات يعنى انها تظهر بنفس الطريقة تحت المجهر او عبر المنظار مهما كانت درجة التصغير او التكبير...وهذا عكس الحدس لو تأملتم قليلا فالجمل الفيزيائية تحت المجهر تظهر ذرية و عبر المنظار تظهر نجمية اما كونها تظهر بنفس الطريقة فهذا هو المقصود بالجملة الكونفورمال...
اذن العلاقة بين التحولات الطورية و معادلة زمرة اعادة التنظيم و نظرية الحقل الكونفورمال هى واحدة من اعمق العلاقات فى الفيزياء النظرية التى سوف تؤدى يقينا الى نظرية ثقالة كمومية quantum gravity-اى نظرية كل شيء تختزل كل نظريات الفيزياء و التطور و الخلق و الفيض فى آن معا فى نظرية واحدة-...
نظرية مبنية على اسس الميكانيك الكمومى العادى -بدون اى تغيير- اين يتم فيها توحيد الفضاء-زمن مع المادة مع العقل بشكل نهائى كامل..
فى هذا السنياريو المحتمل جدا فان فكرتى الانبعاث-المشهورة فى الاصل فى فيزياء المادة المكثفة- و الاختزال-المشهورة فى فيزياء الجسيمات الأولية- ستلعبان نفس الدور و بنفس القوة ..
اقول ان الانبعاث emergence و الاختزال reduction فكرتان متكاملان غير متناقضتان تشكلان اكثر الثنائيات dualities او التقابلات correspondences الفيزيائية اساسية..
و كل هذه الامور نرى ارهاصاتها فى المعادلة أم المعادلات
AdS=CFT
التى طغت بدون منازع على القسم النظرى للفيزياء النظرية منذ اواخر التسعينات..
فهذه المعادلة قد أدت الى تقدم هائل على جميع الجبهات انظلاقا من فيزياء القوة النووية الكبرى و خواصها غير الاضطرابية مثل الحبس confinement و كسر تناظر اليدوانية chiral symmetry breaking الى فيزياء الثقوب السوداء ومعضلة ضياع المعلومات وصولا الى فيزياء التشابك الكمومى quantum entanglement و دوره المحورى فى كل شيء و اى شيء و من بين ذلك لعبه دور وسيط النظام order parameter للتحولات الطورية الطوبولوجية و ايضا دوره فى انبعاث الثقالة الكمومية مع نهاية كلاسيكية صحيحة معطاة بمعادلات اينشتاين للنسبية العامة مثلما يحدث فى الظاهرة المسماة بال ER=EPR......
وهذه ملاحظة على السريع..

المائع الفائق: الهيليوم 4---اضاءات فى فيزياء المادة المكثفة و الترموديناميك



نشرح 3 نقاط:
-المخطط الطورى للهيليوم 4
-التحولات الطورية فى الطبيعة و الانكسار التلقائى للتناظر.
-ماهى اللزوجة?
المخطط الطورى للهيليوم 4
الهيليوم هى المادة الوحيدة التى لا يمكن أن نجعلها صلبة عند الضغط الجوى مهما خفضنا درجة الحرارة و حتى لو خفضناها الى درجة الصفر المطلق..فالهيليوم لا يبلغ طوره الصلب الا عند ضغط يساوى 25 ضغط جوى..
السبب وراء هذا ان الهيليوم هو غاز مثالى بمعنى ان التفاعلات بين ذراة الهيليوم فيه ضعيفة جدا و ايضا فان كتلة ذرة الهيليوم هى الاقل بين كل ذرات الغازات المثالية.. وهذا يؤدى الى طاقة حالة اساسية كبيرة جدا وبالتالى حركة كبيرة جدا اى استحالة تحديد موضع ذرات الهيليوم..
اذن الهيليوم لا يمكن ان يكون صلبا الا اذا طبقنا ضغط كبير عليه ...
لكل هذه الأسباب فان الهيليوم يقع فى الطبيعة و بشكل طبيعى على شكل سوائل كمومية.. السائل الأكثر توفرا هو الهيليوم 4 و السائل الأندر هو الهيليوم 3...و أؤكد ان هذه سوائل كمومية و ليست سوائل كلاسيكية كما سنبين الآن...
المخطط الطورى للهيلوم 4 يتشكل من اربعة اطوار مختلفة..انظروا الصورة الاولى حيث نرسم المخطط الطورى فى المستوى TP حيث T هى درجة الحرارة و P هو الضغط..أطوار الهيليوم هى:
-الطور الغازى..
-الطور الصلب..
-الطور السائل العادى و يسمى الهيليوم I..
-الطور السائل الفائق -وهذا أهم شيء بالنسبة لنا- و يسمى الهيليوم II..
فى الطور السائل الفائق فان الهيليوم هو سائل فائق او ممتاز ..
فهو سائل فائق لانه يجرى بدون لزوجة اى بدون احتكاك عبر اضيق المنافذ و عبر كل الحواجز ..فهو سائل يتميز بكون كل جسيماته فى نفس الحالة الكمومية و لهم نفس الطاقة و نفس كمية الحركة..و بالتالى فانه اذا تحركت ذرة واحدة فان باقى الذرات يجب ان تتحرك ايضا بنفس القدر..
فان الهيليوم 4 فى الطور الفائق يمكنه ان يتدفق الى الاعلى على جدران الاناء الذى يحتويه (وهذا ما يسمى بالصوت الثالث third sound وهو نوع من الامواج السطحية التى يتمتع بها الهيليوم 4 و هناك ايضا ثلاثة انواع اخرى من الانماط الاهتزازية التى تسمى الاصوات اولها هو الصوت العادى الذى نجده فى باقى الاجسام)...
ومن خواص الهيليوم 4 (الناجمة عن الصوت الثالث ايضا) ما يسمى بتأثير النافورة founatin effect و هو ان الهيليوم المستثار بالضوء سيؤدى الى نافورة نحو الاعلى انطلاقا من سطحه..
ومن خواصه ايضا الناقلية الحرارية العالية لان الهيليوم 4 ينقل الحرارة ليس كغير عبر التبدد diffusion لكن عبر امواج حرارية (وهذا ما يسمى بالصوت الثانى second sound)...
وخواص اخرى...
الاهم بالنسبة لنا ان الانتقال او التحول من الطور السائل العادى الى الطور السائل الفائق يتم عبر تحول طورى من الدرجة الثانية من اشهر ما هو موجود فى الفيزياء و فى الطبيعة يسمى التحول لمبدا lambda transition..
على منحنى البخار vapor curve -انظر المخطط فى الصورة الاولى- يقع هذا التحول عند درجة الحرارة الحرجة critical temperature
T=2.18K
تذكروا ان خط البخار بالنسبة لأى مادة (مثلا الماء و هو صحيح هنا ايضا) هو الخط الذى تتواجد فيه الحالة الغازية و الحالة السائلة للمادة فى حالة توازن ترموديناميكى thermodynamical equilibrium..وهو ينتهى عند نقطة حرجة critical point اين يضبح فيها التمييز بين الغاز و السائل مستحيلا..
اذن الانتقال من الهيليوم السائل العادى الى الهيليوم الفائق و هو مائع ممتاز يتم عير تجول طورى من الدرجة الثانية يسمى التحول لامبدا..ككل تحول طورى من الدرجة الثانية فان هذا يعنى انه عند التحول الطورى فان التقلبات تصبح تقلبات حرجة critical fluctuations و هذا يعنى مما يعنى ان السعة الحرارية specific heat (وهى الطاقة فى وحدة درجة الحرارة) تتباعد-اى تذهب الى مالانهاية- عندما نقترب من درجة الحرارة من الأسفل او من الاعلى..
السعة الحرارية كدالة فى درجة الحرارة بالنسبة للهيليوم 4 بالقرب من التحول الطورى من الطور السائل العادى الى الطور السائل الفائق موجود فى الصورة الثانية..وكما نرى فان السعة الحرارية تتباعد عند درجة الحرارة الحرجة التى يقع عندها التحول و هى تتباعد لو غاريتميا...لاحظوا شكل السعة الحرارية الذى يأخذ صورة الحرب اليونانى لامبدا ولهذا سمي هذا التحول بالتحول لامبدا..
التحولات الطورية فى الطبيعة و الانكسار التلقائى للتناظر..
التقسيم الكلاسيكى للتحولات الطورية فى الطبيعة هى ثلاثة اقسام..
-اولا تحولات من الرتبة الاولى..وهى تحولات يعانى فيها وسيط النظام order parameter من لا استمرارية discontinuity عند نقطة التحول و تكون مرفقة بحرارة كامنة latent heat اى حرارة تصدر من الجملة ليس تلقائيا لكن تستهلك وقتا...
-ثانيا تحولات طورية من الرتبة الثانية وتسمى ايضا التحولات الطورية المستمرة continuous phase transition..وهى تحولات يكون فيها وسيط النظام مستمر, لا يوجد فيها حرارة كامنة, لكنها تكون مرفقة بتقلبات حرجة, وانكسار تلقائى للتناظر spontaneous symmetry breaking...
لنذكر ان وسيط النظام هو المتغير الذى يسمح لنا بالتمييز بين مختلف الاطوار..فمثلا هو المغنظة فى حالة الفيرومغناطيسية...
-ثالثا تحولات طورية لانهائية الرتبة infinite-order phase transition...وهى من اغرب ما يكون فهى تحولات مستمرة لكنها لا تكسر اى تناظر..وأهم الامثلة هنا هى التحولات الطورية الكمومية..وهذا موضوع طويل آخر..
بالنسبة لنا أهم مثال هو التحولات الطورية من الرتبة الثانية (مثل الفيرومغناطيسية التى شرحناها فى منشورات سابقة او المائع الفائق موضوع هذا المنشور)...
اذن الهيليوم 4 يتمتع بتحول طورى من الدرجة الثانية هو التحول الطورى لمبدا..اما الهيليوم 3 فهو لا يتمتع بأى تحول طورى من الدرجة الثانية..الفرق بين الاثنين ان الهيليوم 4 هو مشكل من ذرات بوزونية اى ذات عزم لف يساوى صفر اما الهيليوم 3 مشكل من ذرات فرميونية اى ذات عزم لف يساوى نصف-مثل الالكترونات-...
اذن الهيليوم 4 فى طوره الممتاز او الفائق هو تكثف بوز- اينشتاين Bose-Einstein المشهور للغازات الكمومية البوزونية..وهى الظاهرة التى تذهب فيها كل الذرات الى الحالة الاساسية وبالتالى يتكثف الغاز هناك...اذن المائع الفائق مثل الهيليوم 4 فى طوره الفائق يتميز بكون جميع ذراته فى نفس الحالة الكمومية...
هذه الظاهرة -ظاهرة تكثف بوز-اينشتاين- لا يمكن ان تقع الا لغاز مشكل من بوزنات ولهذا فان الهيليوم 3 لا يتمتع بالتحول الطورى لمبدا...
لكن رغم هذا فان الهيليوم 3 يمكنه هو الآخر ان ينتقل الى الطور المائعى الممتاز لكن عند درجات حرارة اقل بكثير حوالى 0,001 كلفن..والميكانيزيم وراء هذا ان كل ذرتين من ذرات الهيليوم 3 الفرميونية يمكن من اجل درجات الحرارة المنخفضة جدا ان تجتمع فى زوج بوزوني -تذكروا ان مجموع فرميونين هو بوزون- وبالتالى يمكنها ان تخضع لتكثف بوز-اينشتاين..
هذا الميكانيزم هو بالضبط الميكانيزم الذى يحدث فى الناقل الفائق superconductor حيث تجتمع الالكترونات (وهى جسيمات فرميونية) فى ازواج كوبر Cooper's pairs.. ولان ازواج كوبر هى جسيمات بوزونية فهى يمكنها ان تخضع لتكثف بوز-اينشتاين و بالتالى فان كل الالكترونات فى الناقل تصبج جملة اشتراكية و نحصل بذلك على الناقل الممتاز الذى يمتاز بمقاومة معدومة كما ان المائع الممتاز يتميز بلزوجة معدومة..
لكن قلنا ان التحول الطورى من الدرجة الثانية يتميز بانكسار تلقائى للتناظر..لكن ماهو هذا التناظر بالنسبة للهيليوم ?..
التناظر الذى ينكسر بالنسبة للناقل الممتاز هو الزمرة U(1) للتناظرات الموضعية
الكهرومغناطيسية و نشوء الفورتاكصات vortices (مفرد فورتاكص vortex) وهى تشكيلات طوبولوجية فى 2+1 أبعاد كما ان المونوبولات monopoles هى تشكيلات طوبولوجية فى 3+1 ابعاد...
أما بالنسبة للمائع الممتاز فالامر اصعب قليلا لانه لا يقال كثيرا..
وسيط النظام بالنسبة للهيليوم هو حقل سلمى مركب يخضع لمعادلة كلاين-غوردون Klein-Gordon..هذا الحقل يتمتع ايضا بزمرة U(1) للتناظرات الشاملة ...وهذه هى الزمرة التى تُكسر تلقائيا خلال التحول الطورى من السائل العادى الى السائل الفائق..
هذا امر معقد اذن اكتفى بهذا القدر...
اذن فى المحصلة الصحيح ان نقول ان تحول لمبدا للمائع الفائق هو تكثف بوز-اينشتاين مصحوب بانكسار تلقائى للتناظر..
ماهى اللزوجة?
قلنا ان المائع الفائق يتمتع بلزوجة معدومة كما ان الناقل الفائق يتمتع بمقاومة معدومة...
لكن ما هى اللزوجة بالضبط?
تذكروا فان اللزوجة هى مقاومة المائع للجريان..فاذا كان المائع يجرى بين صفحية سفلية ساكنة و اخرى علوية تتحرك بسرعة صغيرة v..فان جسيمات المائع بالقرب من السطح الساكن تكون ساكنة اما التى بالقرب من السطح المتحرك فهى تتحرك بالموازاة له و بنفس السرعة v..أما الجسيمات الأخرى بينهما فهى تتحرك بسرعات بين 0 و v ..اذن كل طبقة من المائع تتحرك بسرعة اكبر من الطبقة التى تحتها..اذن حركة هذه الطبقات ينجر عليها قوى احتكاك تقاوم حركتها..اذن المائع سيؤثر على الصفيحة العلوية بقوة F هى عكس حركتها و يؤثر على الصفيحة السفلية بقوة مساوية فى الاتجاه العكسى..اذن حتى نحافظ على حركة الصفيحة العلوية بنفس السرعة v علينا تطبيق قوة تساوى بالضبط القوة F..هذه القوة متناسبة طردا مع السرعة v و مع سطح الصفيحتين A و متناسبة عكسا مع المسافة d بين الصفيحتين..اى
F=a*A*v/d
ثابت التناسب a هو بالضبط اللزوجة...لاحظوا ان اللزوجة تنعدم اذا انعدمت قوة الاحتكاك...


تطبيق معادلة زمرة اعادة التنظيم: الحرية المقاربة و استقطاب الفراغ الكمومى..


الحرية المقاربة asymptotic freedom هى خاصية تتميز بها نظرية الكروموديناميك الكمومى QCD التى تصف التفاعلات النووية القوية الاساسية ..وهى تعنى ان قوة التفاعل تصبح اضعف عندما نذهب الى الطاقات العليا..اذن ثابت الاقتران يجرى runs نحو الصفر كلما زادت الطاقة و هو ما يُكافئ ان ثابت الاقتران يصغر كلما صغرت المسافة..
و هذا عكس الحدس لو فكرتم قليلا..
مثلا فى الكهرومغناطيسية فانه كلما اقتربت الالكترونات من بعضها البعض كلما زادت القوة.. لكن فى القوة النووية فانه كلما اقتربت الكواركات من بعضها البعض كلما نقصت القوة اى تصبح الكواركات تتصرف و كأنها حرة...
هذه هى الحرية المقاربة التى اكتشفها اولا توهفت 't Hooft و لم ينشرها ثم اكتشفها غروس Gross و تلميذه ويلشيك Wilczek و بصورة مستقلة بولايتزر Politzer عام 1973و أخذ هؤلاء الثلاثة من اجلها نوبل عام 2004...
اذن النظرية التى تتمتع بالحرية المقاربة يمكن تعريفها من اجل كل سلم الأطوال.. فالنظرية تصبح اضطرابية مهما كان الطول صغيرا وهذا جيد جدا..يُعتقد ان مثل هذه النظريات -واهمها ال QCD اى الكروموديناميك اللونى- هى نظريات اساسية لانه ليس هناك حد ادنى للاطوال (وهو ما يقابل جد اعلى للطاقات) تصبح فيه النظرية غير صالحة..
مثلا نظرية ال QED او الالكترودناميك الكمومى التى تصف التفاعلات الكهرومغناطيسية الكمومية هى نظرية تعانى من شيء يسمى قطب لانداو Landau pole و هى طاقة عليا جدا يصبح فيها ثابت الاقتران الجارى الكهرومغناطيسي -وهو الشحنة الكهربائية- لا نهائي..
اذن النظرية تنهار عند هذا القطب و هى ليست نظرية حرية مقاربة..
ونتيجة كل هذا فان الالكترودناميك الكمومى يُعتقد انه نظرية فعالة effective و ليست نظرية اساسية fundamental -ركزوا فى الفرق فى المصطلح- وهى نظرية مُعرفة فقط بالنشر الاضطرابى perturbativ expansion المعطى بمخططات فايمان Feynman diagrams..
لكن كيف يزيد ثابت الاقتران الكهرومغناطيسى مع الطاقة و ينقص ثابت الاقتران النووى مع الطاقة?..
اولا فان ثابت الاقتران هو متناسب مع الشحنة..اذن الذى يزيد و ينقص هو فى الحقيقة الشحنة الكهربائية أو الشحنة النووية..
ثانيا...الشحنة-تفترضها سالبة- الموضوعة فى الفراغ الكمومى تؤدى الى استقطاب polarization الفراغ مثل الذى يحدث فى العوازل الكهربائية dilectrics..انظروا الصورة الاولى...
تذكروا ان الفراغ الكمومى مملوء بازواج من الشحنات و الشحنات المضادة الافتراضية virtual..اذن الشحنات المضادة الافتراضية الموجبة ستنجذب نحو الشحنة المركزية السالبة اما الشحنات الافتراضية السالبة فستنفر منها..هذا يؤدى الى توليد حقل كهربائى بين الشحنات الافتراضية عكس الحقل الكهربائى للشحنة المركزية مما يعنى ان الحقل الكلى ينقص بسبب الاستقطاب..
اذن الشحنة الفعالة effective charge التى سنراها ليست هى الشحنة السالبة المركزية لكنها تتعلق بالمسافة التى ننظر منها الى الشحنة..هذه الشحنة الفعالة تكون صغيرة اذا نظرنا من بعيد و تبدأ بالازدياد كلما اقتربنا اكثر من الشحنة المركزية..
هذه الظاهرة الاساسية التى تعرف باسم استقطاب الفراغ vacuum polarization هى التى تؤدى الى حجب screening الشحنة الكهربائية على المسافات البعيدة و الى ازديادها على المسافات القصيرة...
هذا هو اذن سبب ازدياد ثابت الاقتران الكهرومغناطيسى من اجل المسافات الصغيرة اى الطاقات العليا..
ثالثا لكن من اجل القوة النووية فان شيء آخر مختلف جدا يحدث فى استقطاب الفراغ الكمومى هو الذى يؤدى الى نقصان ثابت الاقتران من اجل المسافات القصيرة و ليس زيادته...
فهناك شحنات نووية تحملها الكواركات quarks مثلما تحمل الالكترونات شحنات كهربائية..لكن الغليونات gluons تحمل هى الاخرى شحنات نووية عكس الفوتون الذى لا يحمل شحنات كهربائية..
تذكروا ان الفوتون هو الذى ينقل الكهرباء اما الغليونات (مفرد غليون) فهى التى تنقل النووىة..
فى الحقيقة فان الغليونات تحمل نوعين من الشحنات النووية فهى تحمل شحنات لونية مثل الكواركات لكنها ايضا تحمل شحنات لونية مضادة -لا اريد ان اطيل فى الشرح الرياضي لماذا الامر هكذا?... لكن اقول فقط ان الكوارك موجود فى التمثيلة الاساسية fundamental representation اما الغليون فهو موجود فى التمثلية المرفقة adjoint representation للزمرة المعيارية gauge group-...
اذن الازواج الافتراضية للكواركات و الكواركات المضادة تؤدى الى حجب الحقل النووى مثلما ان الازواج الافتراضية للالكترونات و البوزيترونات ادت الى حجب الحقل الكهربائى حول شحنة مركزية..
لكن الجديد ان هناك غليونات افتراضية ايضا فى الفراغ الكمومى تؤدى الى حجب عكسى للحقل النووى اى الى زيادته يعمل اذن عكس الحجب الذى تؤدى اليه الكواركات و الكواركات المضادة الافتراضية و بالتالى فان الشحنة النووية المركزية قد تنقص و لا تزيد من اجل المسافات القصيرة اى الطاقات العليا...
تذكروا ان الفوتون لم يكن يملك شحنة اذن هو لم يمارس لا حجب و لا حجب عكسى و هذا هو الفرق بين الكهرومغناطيسية و النووية القوية...
لكن من سيتغلب الحجب الذى تمارسه الكواركات ام الحجب العكسى الذى تمارسه الغليونات..هذا يتعلق على عدد ما يسمى الوان و اذواق الكواركات!!!...
كل هذا يتم حسابه عبر دالة تسمى دالة بيطا beta function التى تخضع لمعادلة زمرة اعادة التنظيم renormalization group equation -انظر منشور البارحة- وتقيس كيف يتغير ثابت الاقتران مع السلم الطاقوى energy scale او مع سلم المسافات distance scale....
النتيجة مشهورة جدا جد فى الفيزياء و هى معطاة بالمعادلة فى الصورة..
دالة بيطا تتعلق على عدد الالوان number of colors ويُرمز له ب N فى النظرية وهو عدد الشحنات النووية المختلفة..
فعكس الكهرباء التى تحتوى على شحنة واحدة فان النووية القوية تحتوى على 3 انواع من الشحنات تسمى الالوان..اذن
N=3
لكن دالة بيطا فى الصورة تتعلق ايضا على عدد الاذواق number of flavors ويرمز له ب nf وهو عدد انواع الكواركات الموجودة فى النظرية ...ونحن نعلم ان الطبيعة تحتوى على ستة انواع من الكواركات و هى u,d,s,c,b,t اذن
nf=6
بالتعويض فى المعادلة ادناه نجد ان دالة بيطا سالبة مما يعنى ان ثابت الاقتران النووى يجرى -مصطلح معادلة زمرة اعادة التنظيم- نحو الصفر عند الطاقات العليا اى من اجل المسافات القصيرة..بمعنى ان الشحنة النووية فى الفراغ الكمومى تتناقص كلما اقتربنا منها و لا تتزايد مثلما يحدث فى الكهرومغناطيسية..
اذن تأثير الغليونات يتغلب على تأثير الكواركات من اجل الكروموديناميك اللونى..لو لاحظنا فان التاثير سينعكس اذا كان عدد اذواق الكواركات كبير يساوى 16 -جرب فى المعادلة فهذا تمرين بسيط حيث تصبح دالة بيطا موجبة-...
اذن الكروموديناميك اللونى يجرى او يتدفق flow -وهو مصطلح آخر لمعادلة زمرة اعادة التنظيم- تحت تأثير تحويلات زمرة اعادة التنظيم نحو ثابت اقتران صفر من اجل الطاقات العليا..
هذه نقطة ثابتة fixed point لمعادلة زمرة اعادة التنظيم- انظر منشور البارحة مرة اخرى-..
هذه النقطة الثابتة هى ما يعرف بالنقطة الثابتة البنفسجية ultraviolet fixed point-مصطلح آخر من مصطلحات معادلة اعادة التنظيم- للقوة النووية الاساسية...وهى نقطة بنفسجية -و ليست تحت حمراء- لانها تخص الطاقات العليا..
فالكروموديناميك الكمومى يتميز ايضا بنقطة ثابتة تحت حمراء infrared fixed point التى تصف فيزياء القوة النووية عند سلم الكروموديناميك اللونى QCD scale الذى يرمز له ب Lambda_QCD\ -و هو يقابل الطاقات المنخفضة التى نرى فيها الباريونات baryons و الميزونات mesons و ليس الكواركات و الغليونات- ..هذه النقطة الثابتة تحت الحمراء هى ايضا التى تظهر عندها مثلا ظاهرة الحبس confinment و ظاهرة كسر تناظر اليدوانية chiral symmetry breaking وهى ظواهر اساسية اخرى غير اضطرابية تماما من اعمق و اعقد ما يكون...


معادلة زمرة اعادة التنظيم



النظرية الأساسية التى تصف المادة هى نظرية الحقول الكمومية quantum field theory..
وهى نظرية يتم فيها توحيد مبادئ الميكانيك الكمومى مع مبادئ النسبية من أجل وصف عالم الجسيمات الأولية...
وهذا ما يعرفه الكل..
لكن الذى يغيب عن ذهن الكثير حتى من المختصين هو ان الآلة الرياضية التى تجعل نظرية الحقل الكمومى من أدق ما كتبه الانسان فى وصف الظواهر الطبيعية هو معادلة تسمى معادلة زمرة اعادة التنظيم renormalization group equation...
وهذه المعادلة بالاضافة الى تقديمها المحتوى الفيزيائى لنظرية الحقل و ضبطها للالة الرياضية التى تقوم عليها نظرية الحقل فانها ايضا تُؤسس -حسب فهم ويلسن Wilson- للفلسفة التى تقوم عليها نظرية الحقل..
ففهم وليسن لهذه المعادلة فى اطار تكامل الطريق path integral وتناظراته و الذى تم فيه مزج فيزياء الجسيمات بفيزياء المادة المكثفة هو ما يُعول عليه فعلا فى رؤية ماهية نظرية الحقل و ليس نظرة وينبرغ Weinberg مثلا التى تعتمد كثيرا على مصفوفة التصادم S-matrix و تناظراتها...
وهى مع كل هذا معادلة يصعب جدا شرحها و كذا فهمها لكنها تقوم فى نظرية الحقل الكمومى مقام العمودى الفقرى من الجسم..
فنظرية معادلة زمرة اعادة التنظيم هى نظرية نظرية الحقل او ميتانظرية meta-theory...
كما أنها آلة حسابية هائلة تقدم التأسيس غير الاضطرابى non-perturbative للفيزياء الكمومية مثلها مثل طرق مونتى كارلو Monte Carlo العددية..
فمن الناحية غير الاضطرابية فان معادلة اعادة التنظيم هى الجناح التحليلى اما طريقة مونتى كارلو فهى الجناح العددى..
معادلة اعادة التنظيم تقدم ايضا اختزال هائل لنظرية الحقل الكمومى نحو نظرية الحقل الكونفورمال conformal field theory اى نظرية الحقل التى تتميز بتناظرات اضافية-فوق الدورانات و الانسحابات- هى تناظرات السلم scale transformations التى يتم فيها تغيير المسافات و الازمان بنفس المقدار السلمى دون ان تتغير النظرية..
اذن حسب معادلة اعادة التنظيم فان نظرية الحقل هى اما نظرية حقل كونفورمال او انها نظرية حقل بصدد التتطور نحو نظرية حقل كونفورمال...
حتى اشرح معادلة اعادة التنظيم اعود الى الميكانيك الاحصائى حيث تلعب المعادلة هناك دورا جوهريا فى تفسير التحولات الطورية من الدرجة الثانية second order phase transition و نأخذ كمثال ما يعرف بنموذج ايزينغ Ising..
نتصور اذن شبكة lattice من النقاط فى بعدين..حيث يوجد فى كل نقطة ذرة او الكترون بعزم لف (سبين spin) يمكن ان يأخذ احد قيمتين اما +1 او -1..
اذن هذا هو تصورنا للمادة ..
وسائط parameters هذه الجملة هى ثابت الاقتران coupling constant بين مختلف عزوم اللف و نرمز له ب J و درجة الحرارة T...
نفترض ان قوى الاقتران بين عزوم اللف او السبينات هى قوى الجوار الاقرب nearest neighbor بمعنى ان كل ذرة فى الشبكة لا تتفاعل الا مع الذرات المجاورة لها مباشرة و هى اربعة ذرات فى حالة شبكة ذات بعدين..
اذن اذا كانت عزوم اللف كلها متوجهة فى اتجاه واحد- وهذا تحت تأثير قوى الاقتران J- فان الشبكة تتصرف مثل المادة المغناطيسية فمجموع السبينات او عزوم اللف هو بالضبط العزم المغناطيسيى و هو غير معدوم فى هذه الحالة..
اما اذا كانت اتجاهات عزوم اللف او السبينات موزعة بشكل عشوائى-وهذا تحت تأثير درجة الحرارة- فاننا نحصل على عزم مغناطيسيي معدوم و فى هذه الحالة فان المادة حديدية..
اذن نموذج ايزينغ يصف التحول الطورى من الدرجة الثانية من المادة المغناطيسية العادية -وتسمى الطور الفيرومغناطيسي ferromagnetic- الى المادة الحديدة العادية -وتسمى الطور البارامغناطيسيى paramagnetic -..
وهو يقع عند درجة حرارة حرجة معينة Tc -درجة حرارة كورى Curie- وعند ثابت اقتران حرج معين Jc -ثابت اقتران كورى-...
الاعظم من هذا ان نموذج ايزينغ يصف ايضا اى تحول طورى من الدرجة الثانية آخر فى الطبيعة مثلا التحول من البخار الى السائل فى الماء...
وهذا لا يمكن تفسيره الا بمعادلة اعادة التنظيم...
لانه عند التحول الطورى فان الخواص الحرجة critical properties للجملة الفيزيائية لا تتعلق الا بالتقلبات fluctuations ذات الطول الموجى الطويل -اى الطاقات المنخفضة- و لا تتتعلق تماما بالتقلبات ذات الطول الموجى القضير-اى الطاقات العليا- ...
اذن تفاضيل الجملة الفيزيائية -هل هى مادة مغناطيسية او ماء او مائع ممتاز او ناقل ممتاز او سبيكة ثنائية binary alloy- ذات العلاقة بدرجات الحرية degrees of freedom الذرية ذات الطاقة العليا لا تدخل فى فيزياء التحول الطورى الذى تخضع له الجملة و بالتالى يجب التخلص منها -اى أخذ المتوسط عليها- و هذه عملية تسمى التحبيب الخشن coarse graining...
اذن فى المحضلة نجد نموذج بسيط مثل نموذج ايزينغ -الذى اقترحه لنز Lenz على ايزينغ فى رسالة الدكتوراة- يصف كل التحولات الطورية من الدرجة الثانية اعلاه..انظر الصورة الاولى من اجل هاميلتونية -اى طاقة- نموذج ايزينغ..
ايزينغ فى راسلته للدكتوراة تمكن من حل النموذج فى بعد واحد لكن فى بعدين فان الحل وجده وجده فيما بعد الكيميائى العبقرى اونصاغر Onsager -وأخذ من اجل ذلك نوبل فى الكيمياء- اما فى ثلاثة ابعاد فقد حاول و مازال الكثير من عباقرة الفيزياء النظرية ايجاد الجل لكن بدون اى نجاح يذكر لحد اليوم...
أول من طبق التحبيب الخشن على نموذج ايزينغ هو كادانوف Kadanoff عام 1966 وهو ما اصيح يُعرف اليوم بعزم اللف او السبين الكتلي block spin...
اذن نُقسم الشبكة الى كتل اى حجرات تحتوى كل حجرة على b^2 عزم لف...اى ان كل حجرة تتشكل من b ذرة او عزم لف فى الاتجاه x و من b ذرة او عزم لف فى الاتجاه y...اذن عدد الذرات فى كل حجرة هو b^2...
الآن نعوض عزوم اللف فى كل حجرة بمتوسطها...اذا كان المتوسط موجب نأخذ عزم اللف فى الحجرة يساوى +1 و اذا كان المتوسط سالب نأخذ عزم اللف فى الحجرة -1 اما اذا اكان المتوسط معدوم فاننا ننتقى عزم لف كيفى فى الحجرة كممثل عنها..
هذا السبين المتوسط فى كل حجرة هو ما نسميه بالسبين الكتلة او السبين الكتلى..اذن مجموع السبينات فى الشبكة يتم تعويضها بسينات كتلية...
اذن الشبكة الاولى التى كانت تحتوى على N ذرة تُعوض بشبكة بديلة يكون فيها عدد الذرات اقل ب b^2 اى N/b^2....و كونها تحتوى على عدد اقل من الذرات يجعلها اسهل للدراسة..
لكن من الجهة المقابلة فان الفسحة الشبكية lattice spacing فى الشبكة البديلة زادت ب b مرة...فى الحقيقة فان كل المسافات فى الشبكة البديلة قد زادت ب b مرة...فاذا كانت السبينات فى الشبكة الاصلية مرتبطة correlated عبر n فسحة شبكية فان السبينات الكتلية فى الشبكة البديلة تكون مرتبطة عبر n/b فسحة....انظر الصورة الثانية..
الشبكة البديلة هى ما يسمى بشبكة التحبيب الخشن coarse-grained lattice او الشبكة الخشنة اختصارا وايضا تسمى الشبكة المعاد تنظيمها renormalized lattice..
الخطوة الثانية وتسمى عملية اعادة السلم rescaling و هى العودة بالشبكة الخشنة الى الطول الاصلى وهذا ضرورى حتى يمكننا المقارنة فعلا بين الشبكة الاصلية و الشبكة الخشنة..
بعد كل هذا فان كادانوف اكتشف ان الشبكة الخشنة يجب ان تكون موصوفة بهاميلتونية -اى طاقة- هى نفسها هاميلتونية الشبكة الاصلية لكن عوض السبينات تظهر السبيات الكتلية و عوض ثابت الاقتران J يظهر ثابت اقتران حشن 'J و عوض درجة الحرارة T تظهر درجة حرارة خشنة 'T...
اذن حسب كادانوف فان جملة السبينات الخشنة هى طريقة اخرى لكن افضل فى وصف الجملة الفيزيائية بالقرب من التحول الطورى...وهى طريقة افضل لان التقلبات ذات الطول الموجى القصير تم أخذ المتوسط عليها فى السبينات الكتلية...
اذن عملية التحبيب الخشن اولا متبوعة ثانيا بعملية اعادة السلم هى ما يسمى بتحويل زمرة اعادة التنظيم renormalization group trtansformation ..
تحت تأثير هذا التحويل فان السبينات تتحول الى سبينات كتلية لكن هذا غير مهم فى الجمل الفيزيائية اللانهائية -وهى ما نجده فى الطبيعة و هذا ما سنقوم به ايضا عندما نأخذ النهاية المستمرة continuum limit للجملة فى الفيزيائية بجعل الشبكة لا نهائية و جعل الفسحة الشبكية صفر-...
لكن ايضا تحت تأثير تحويل اعادة التنظيم فان ثوابت الربط تتغير.. فمثلا ثابت الاقتران J و درجة الحرارة T تتحولان نحو درجة اقتران خشن J' و درجة حرارة حشنة T'...
الذى يحدث ان الوسائط الخشنة يمكن التعبير عنها بدلالة الوسائط الاصلية وهذا بالضبط ما يسمى بمعادلة زمرة اعادة التنظيم...
مثلا اذا رمزنا الى ثوابت الربط ب K و الى تحويل زمرة اعادة التنظيم ب R فان ثوابت الربط الخشنة التى يرمز لها ب 'K تعطى ب
K'=R(K)
عموما فان معادلة زمرة اعادة التنظيم هى معادلة معقدة جدا: تكاملية-تفاضلية-جبرية فى نفس الوقت و حلها يتطلب طرق تقريبية معقدة هى الآخرى لكن اهم ما تعطينا هى الفيزياء الكمومية غير الاضطرابية للجملة الفيزيائية فى هذه الحالة عند التحول الطورى حيث تكون التفاعلات قوية جدا...
هذه المعادلة تسمى معادلة زمرة اعادة تنظيم لانها تعيد تنظيم ثوابت الاقتران و تسمى زمرة لانها تحقق خاصية الزمرة بمعنى انه اذا كانت R1 و R2 هى تحويلات زمرة اعادة التنظيم فان التركيب R1R1 هو ايضا تحويل زمرة اعادة التنظيم..لكن هذه التحويلات لا تشكل تماما زمرة لان التحويل العكسى غير موجود اى ان السبينات الكتلية لا يمكن الرجوع بها الى السبينات الاصلية..
ثوابت الاقتران K تتغير اذن تحت تأثير معادلة زمرة اعادة التنظيم..نقول انها تجرى تحت تأثير معادلة زمرة اعادة التنظيم ونسميها ثوابت الاقتران الجراية running coupling constant...و هى ايضا تسمى بثوابت الاقتران المعاد تنظيمها renormalized coupling constants..
اذن لا نحتاج بعد الآن الى التمييز بين القيم الاصلية لثوابت الاقتران التى انطلقنا منها و القيم الخشنة التى توصلنا اليها..فهى فقط ثوابت تجرى تحت تأثير تحت تأثير معادلة زمرة اعادة التنظيم..
لكن الى اين تجرى بالضبط?
هذه هى القوة الكبرى لمعادلة زمرة اعادة التنظيم..
لو كررنا تحويل زمرة اعادة التنظيم عدة مرات حتى نصل الى التصرف الفيزيائى على المسافات الطويلة..
فنذهب من J1,T1 الى J2,T2 فى خظوة اعادة التنظيم الاولى ..ثم نذهب من J2,T2 الى J3,T3 فى خطوة اعادة التنظيم الثانية..وهكذا..
فاننا سنصل بعد عدد كافى من الخطوات و بشكل تلقائى الى النقاط الثابتة fixed points لمعادلة زمرة اعادة التنظيم...وهى النقاط التى اذا وصلنا اليها لا يمكن ابدا لتحويل زمرة اعادة التنظيم ان يخرجنا منها مرة اخرى..
بالنسبة لنموذج ايزينغ اعلاه نجد ثلاثة نقاط ثابتة..
-اولا درجة الحرارة صفر. و ثابت الاقتران لا نهائى..هذا يعبر عن الطور الفيرومغناطيسى الذى يتميز بمغنظة دائمة للجملة اى كل السبيات تتوجه فى نفس الاتجاه..
-ثانيا درجة الحرارة لا نهائية و ثابت الاقتران صفر..هذا يعبر عن الطور البارامغناطيسى الذى يتميز بمغنطة معدومة اى ان السبينات تتوزع عشوائيا بين +1 و -1...
-ثالثا درجة حرارة حرجة Tc و ثابت اقتران حرج Jc هما بالضبط القيم الحرجة لكورى التى يقع عندها التحول الطورى من الدرجة الثانية من الفيرومغناطيسية الى البارامغناطيسية و العكس...
اذن التحول الطورى المغناطيسي -وكل التجولات الطورية من الدرجة الثانية الاخرى- تظهر كنقطة ثابتة لمعادلة زمرة اعادة التنظيم وهى نقطة شهيرة جدا تسمى النقطة الثابتة لويلسون و فيشر Wilson-Fisher fixed point..
فى هذه النقطة فان الجملة تصبح متناظرة تحت تأثيرات التجويلات السلمية -وهى كما ذكرنا التحويلات التى يتم فيها تغييركل المسافات بنفس القدار- و هذا مُرفق بذهاب طول الارتباط correlation length الى مالانهاية (لغة الميكانيك الاحصائى) او ذهاب الكتلة الى صفر (لغة فيزياء الجسيمات) مما يعنى ان التفاعلات اصبحت ذات مدى طويل و كل السبينات فى الشبكة تتفاعل مع كل السبينات الاخرى مهما كانت بعيدة...فى هذه النقطة فان الذى يصف الجملة هى نظرية حقل كونوفورمال لان التناظر تحت تأثير التجويلات السلمية يؤدى الى التناظر تحت تأثير كل الزمرة الكونفورمال...
وهذا هو التفسير النهائى للتحولات الطورية من الدرجة الثانية فى الطبيعة عن طريق معادلة زمرة اعادة التنظيم..فكل شيء بخصوص هذه التحولات يمكن حسابه و فهمه-مثلا الاسس الحرجة critical exponents- باستعمال هذه المعادلة..و حساب هذه الاسس و التحقق من خاصية الكونية universality التى تميزها هو الذى أخذ من اجله ويلسن نوبل فى الفيزياء..
والكونية يعنى ان الفيرومغناطيسية و كذا الماء و كذا السبائك الثنائية و الناقلية الممتازة و كذا المائعية الممتازة رغم انها جمل فيزيائية مختلفة جدا جدا الا انها تتميز كلها ينفس الاسس الحرجة لانها كلها موصوفة بنموذج ايزينغ و تحولات طورية من الدرجة الثانية..
اما الاسس الحرجة فهى تقيس تصرف المقادير الفيزيائية (المغنظة, السعة الحراية, الحساسية,,,,) حول درجة الحرارة الحرجة كدالة من الشكل (T-Tc)**a حيث a هو الاساس الحرج...
اذن فى النهاية معادلة زمرة اعادة التنظيم هى النظرية النهائية للتجولات الطورية..
اما معادلة زمرة اعادة التنظيم نفسها فاننى لم اقدم هنا الا اقدم و ابسط طرقها على الاطلاق و هى طريقة السبينات الكتلية لكادانوف..اذن كل الذى ذكرناه ليس نهائى بالمرة بل هو هو تحضيرى بامتياز...