المالانهاية و فرضية الاستمراية و اسس الرياضيات



أصلية cardinality مجموعة ما هو عدد عناصر هذه المجموعة..
لكن الاصليات تختلف فيما بنيها..
فهناك مجموعة أكبر من مجموعة و بالتالى فان اصلية المجموعة الاولى اكبر من اصلية المجموعة الثانية..
هذا الامر يبدو حدسى و لربما حتى بديهى بالنسبة للمجموعات المنتهية اى التى عدد عناصرها محدود..
لكن العجيب جدا فى هذا الامر انه امر صحيح حتى بالنسبة للمجموعات غير المنتهية اى التى عدد عناصرها غير محدود لا نهائى...
فهناك مجموعات لا نهائية اكبر من مجموعات لا نهائية اخرى...
اى ان اللانهاية تختلف مقاديرها او بعبارة اخرى فان هناك اعداد لانهائية اكبر من اعداد لا نهائية اخرى...
هذه الاعداد اللانهائية تسمى الاعداد العابرة للنهاية transfinite numbers وهى موضوع نظرية المجموعات لصاحبها العبقرى الالمانى كانتور Cantor..
فمثلا اصلية الاعداد الطبيعية هى عدد لانهائى عابر للنهاية يسمى aleph-null يمكن ان نرمز له ب N0 لكنه رغم انه لا نهائى فانه عدد اصغر من اصلية الاعداد الحقيقية التى هى الاخرى عدد لانهائى عابر للنهاية يسمى c و نرمز له ايضا ب N1...
اذن N0 و N1 هما عددان لانهائيان عابران للنهاية لكن N0 اصغر قيمة من N1...
هذا الامر يمكن البرهان عليه باستعمال برهان الشطب القطرى Cantor slash arugment لكانتور (وقد شرحته فى منشور تفصيلى منذ اكثر من سنة و نصف على المدونة) الذى يعتمد على محولة بناء تقابل bijection او تباين injection بين المجموعات اللانهائية مثل مجموعة الاعداد الطبيعية و مجموعة الاعداد الحقيقية..
باستعمال هذا البرهان يمكن ايضا ان نبين ان الاصلية N1 هى فى الحقيقة تساوى الى 2 مرفوع للقوة N0...انظر المعادلة فى الصورة...
اى ان الاعداد الحقيقية هى مجموعة كل مجموعات الاعداد الطبيعية او ما يعرف باسم مجموعة الاستطاعة power set...
اذن لانه لا يوجد تقابل بين مجموعة الاعداد الطبيعية و مجموعة الاعداد الحقيقية فاننا نقول ان مجموعة الاعداد الحقيقية هى مجموعة غير معدودة uncountable بينما مجموعة الاعداد الطبيعية هى مجموعة معدودة countable...
كانتور بين ان هناك عدد لا نهائى من الاعداد اللانهائية العابرة للنهاية ليس فقط N1 و N0 وان هذه الاعداد اللانهائية تترتب فيما بنيهما كغيرها من الاعداد...
هذه النظرية تسببت فى حرب شعواء على كانتور من الرياضيين و الفلاسفة و الكنيسة -التى كانت تعتقد ان هناك شيء مالانهائى وحيد هو الله وهو ايضا رأى المتكلمين المسلمين من المعتزلة و الاشاعرة فى القديم متابعين فى ذلك ارسطو الذى كان يقر بوجود المالانهاية الكامنة فقط- ...
و للاسف فقد ادى الضغط النفسى الذى تعرض اليه كانتور من الآخرين بسبب نظريته هذه للمجموعات الى الانهيار العصبى و دخول مستشفى الامراض العقلية فى آخر حياته...
لكن كانتور انجز أكثر مما ذكرت اعلاه فقد قدم فرضية عميقة تعتبر اشهر فرضية رياضية لم تبرهن لحد الساعة هى فرضية الاستمرارية continuum hypothesis التى تنص بكل بساطة على انه لا يوجد اى عدد لانهائى عابر للنهاية بين اصلية الاعداد الطبيعية N0 و اصلية الاعداد الحقيقية N1...
وكما ترون فهى بسيطة جدا على الفهم لكنها اعمق فرضية على الاطلاق لانها تتموضع فى اساس المنطق الرياضي المبنى على نظرية المجموعات...
وقد وضعها هيلبرت Hilbert عام 1900 على رأس قائمته لاهم المسائل الرياضية غير المحلولة فى القرن العشرين (فرضية ريمان التى شرحتها الاسبوع الماضى رتبها هيلبرت الثامنة اما فرضية الاستمرارية فقد رتبها هيلربت الاولى من بين 23 مسألة لاهميتها القصوى فى اسس الرياضيات و المنطق)...
من الجهة الاخرى...
فان نظرية المجموعات لانها تتعامل كثيرا مع المالانهاية فانها تُصاغ عموما داخل انظمة بديهية من اجل ضبط محتواها semantic و معناها syntax بشكل اكبر..
ومن اشهر هذه الانظمة البديهية فى الرياضيات نجد نظرية مجموعات زارميلو-فراينكل Zermelo–Fraenkel set theory للرياضييين زارميلو و فراينكل, مدعمة بما يسمى بديهية الاختيار axiom of choice وهما يشكلان معا ما يسمى نظرية مجموعات ZFC...
بديهية الاختيار و البديهية المنافسة المعروفة باسم الاجبار forcing يحتاجان الى منشور لوحدهما من اجل توضيحهما...
لكن فى هذا النظام البديهى لنظرية مجموعات ZFC لا يمكننا ان نبرهن لا على صحة و لا على خطأ فرضية الاستمرارية مما يدل على استقلالية هذه الفرضية عن اقوى نظام بديهى اساسى يحكم نظرية المجموعات و بالتالى تموضع فرضية الاستمراية على قدم المساواة تماما مع هذا النظام البديهى نفسه اى كبديهية فى اساس الرياضيات...
أما لماذا هذا يهمنا..اولا فالمنطق اساس الرياضيات و الرياضيات اساس الفيزياء..اذن علينا معرفة نقاط ضعف المنطق و الرياضيات حتى نعرف نقاط ضعف الفيزياء...
لكن ايضا..
قد تكلمت كثيرا عن المالانهاية قبل اليوم لاهميتها الفيزيائية العملية و الفيزيائية المحضة و كذا اهميتها الرياضية و الفلسفية و الميتافيزيقية و سأعيد الكلام عن هذا الامر ان شاء الله على ضوء كثير من النتائج الرياضية الجديدة التى تحصل عليها العلماء حيث ان الصورة الارسطية -ان المالانهاية الفيزيائية غير موجوة و ان المالانهاية الرياضية على احسن الاحوال كامنة فى عالمها الافلاطونى- تتأكد يوما بعد يوم...
و من اراد ان يعلم فليقرأ بهدوء و بعمق و لا يُسبق رؤيته الميتافيزيقية على الحقيقية فالحقيقة احق بالاتباع...
واذا كانت المالانهاية موجودة فعلينا صياغة الميتافيزقية الوجودية حول هذا الامر و اذا كانت غير موجودة فعلينا صياغة نظرتنا للوجود حول عدم وجودها..
وليس العكس..اذن العلم قبل الميتافيزيقا و ليس العكس و هذا هو منهجى...
وقد خرج مؤخرا الفيزيائى النظرى ماكس تاغمارك Max tegMark -انظر مقاله الذى وضعته البارحة على الصفحة- بشراسة ضد مفهوم المالانهاية حيث عنون مقاله: (المالانهاية مفهوم جميل وهو يدمر فى الفيزياء Infinity Is a Beautiful Concept – And It's Ruining Physics) ..
و من المفارقات ان تاغمارك يقول هذا الكلام رغم انه صاحب نظرية ان عديد العوالم many-wolrds الكمومية هى نفسها عديد الاكوان multiverse الكوسمولوجية مع العلم ان عديد العوالم و عديد الاكوان بطبيعتهما لانهائيين...
هو اذن بعد ان عجز اصبح ضد المالانهاية..
الموقف الصحيح الذى ندافع عنه منذ سنوات -وهو احد ركائز علم الكلام الفيزيائى الجديد- هو موقف ارسطو القديم: المالانهاية الفيزيائية غير موجودة لان الكون و الزمن محدودين و ان المالانهاية الرياضية افلاطونية مثالية كامنة وهذا ما تؤكده الاكتشافات الرياضية الحديثة...

Comments

  1. أعجبني هذا المقال، وأأيد الموقف الذي اعتبرتموه صحيحا. فالمالانهاية مفهوم يفرض نفسه ليس من خلال الوجود الواقعي للأشياء، ولكن من خلال واقع فكري مؤسس على ما هو محدود في امتداده. إننا بالفعل نستطيع إنشاء قطع مستقيمية، ودوائر مستوفية الشكل، ولكننا لا نستطيع إنشاء مستقيم طبقا لمحدداته التعريفية، وكلما تعلق الأمر بالمستقيم اللامحدود نجد أن القطعة منه تكفي للحاجة العملية. وهي إذ تكفي عمليا، لا تنفك عن الخصوصية التي تجعلها تحل محل المستقيم، أو أن تعتبر بالفعل مستقيما. يحدث هذا أيضا، في التمثيلات المبيانية للدوال حيث نتعامل مع المستوى كما لو كان مستوى الورقة، فهذه المبيانات كافية رغم إنشائها في نطاق محدود لتوضيح سلوك دالة، ولكن دراسة الفروع اللانهائية وما تتطلبه من تحديد للنهايات تبقى ضرورية لمعرفة سلوك الدالة بجوار اللانهاية. إن المفاهيم التي نتعامل معها تفتح المجال واسعا لبروز كينونات جديدة، فالمفاهيم غالبا ما تكون عصية على الفهم، بل إن هذا الفهم يستدعي الشكل الذي من دونه يبقى المفهوم قاصرا عن الدلالة، أي مجرد كلام فارغ لا يعبر عن أي شيء. إن الأشكال التي نتخذها سندا للفكر، لا تقوم فقط بهذه الوظيفة التوضيحية، وإنما هي الأساس الذي يعطي للفكر واقعيته بسبب تحول هذا الأساس إلى واقع.
    الفضاء الديكارتي الذي هو من حيث المفهوم يستند على شكل يوضح ما هو، سرعان ما سيتحول في الذهن إلى الشكل المؤسس لنظرة جديدة للعالم، بل المؤسس للقول بأن العالم ممتد خارج كل الحدود. فإذا كان لا يضر في شيء أن يكون الفضاء الديكارتي ممتدا ودائم الانفتاح على اللانهاية، فقد لا يكون العالم الفيزيائي مطابقا رباضيا للفضاء النظري الديكارتي.
    تحياتي.

    ReplyDelete

Post a Comment