Sunday, June 23, 2013

نظرية التضخم الكوني


نظرية التضخم الكوني
بقلم يدري.ب و رواق.أ 

من المؤكد ان كوننا ليس عشوائيا بل تحكمه قوانين محددة، وبعد جهود مضنية على مر عدة سنوات ظهرت نظريات عدة تحاول تحديد هذه القوانين. مع مطلع القرن المنصرم برزت نظريتان كانتا لهما الأثر الأكبر في تطور الفيزياء، و أحدثتا انقلابا كبيرا. أولهما النظرية النسبية بشقيها الخاص (1905) و العام (1915)، والتي كان مهندسها الوحيد تقريبا الفيزيائي الشهير ألبرت أينشتاين. النظرية العامة تصف قوة الجاذبية و بنية الكون في ابعاده الكبرى. ثانيها فيزياء الكم التي أسهم في إنشائها عدة علماء وهي تتناول الظواهر ذات الابعاد بالغة الصغر. على أنه لسوء الحظ من المعروف أن هاتين النظريتين لا تتوافق إحداهما مع الأخرى. تقوم النسبية الخاصة على فرضيتين في مجملهما ينفيان فكرة الاثير وهو الوسط الذي تقاس بالنسبة إليه سرعة الضوء الثابتة. ألغت النسبية الخاصة مطلقية الزمان أما مطلقية المكان فقد تم الغائها من قبل 'نيوتن'. تعتبر النسبية تعميم لقوانين نيوتن لأن هذه الاخيرة صحيحة فقط بالنسبة للأجسام التي تتحرك بسرعة بطيئة نسبيا و لكن لا تصلح للأجسام التي تتحرك بسرعة الضوء. رغم هذا الانجاز العظيم فأينشتاين لم يبين ان معادلات 'ماكسويل' الكهربائية تكون مستقلة عن الحركة العامة، بين فقط انها مستقلة عن الحركة المنتظمة مع اهمال تأثيرات الجاذبية لذلك أطلق عليها النسبية الخاصة. بعد محاولات عدة تمكن أينشتاين من فك هذا التقييد ونشر بحثه بعنوان النسبية العامة وطرح فيها اقتراحا ثوريا بأن الجاذبية ليست قوة مثل سائر القوى بل تنتج عن حقيقة أن فضاء الزمكان ليس مسطح ووضع تصور جديد لمفهوم الجاذبية و اعتبره مكافئ لتسارع المعالم العطالية و وصفها اي الجاذبية على أنها انحناء تحدثه الكتلة و الطاقة. فالأجسام كالأرض مثلا لا تتحرك حول أفلاك بسبب الجاذبية بل إنها تتبع أقرب شيء للمسار المستقيم في المكان المنحني و هو ما يسمى بالجيوديسي
 إن من نتائج النسبية العامة أن الكون في اتساع مستمر الأمر الذي أدى فيما بعد إلى نشوء نظرية الانفجار الأعظم ومفاد هذه النظرية في صياغتها القياسية أن الكون نشأ قبل بليون سنة عن حالة كونية فريدة وهي حالة تكون فيها درجة الحرارة و الكثافة لا متناهيتين في الكبر ومن المؤكد أن الإنسان لا يمكنه التحدث عن بلوغ هاتين القيم اللانهائية في إطار الفيزياء العادية إذ غالبا ما نفترض أن قوانين الفيزياء لم تكن سارية في ذلك الحين. إذن فالنسبية غيرت رؤيا العلماء للكون الذي رغم صعوبته الا أن علم الكون ( الكوسمولوجي ) وصفه برمته و يعد من بعض النواحي أسهل للتناول من فهم حيوان وحيد الخلية. فعلى مستوى أكبر الابعاد الكونية حيث النجوم و المجرات ورغم اعدادها الهائلة فإنها لا تعدو كونها نقاطا موزعة على نحو متجانس و متناح ولا تحكمها سوى قوة واحدة هي الثقالة. تمثل هاتان الصفتان المرصودتان أساس نظرية الانفجار الاعظم التي تقول أن الكون مازال يتوسع منذ نحو بليون سنة وقد نجحت هذه النظرية في تفسير سرعة تباعد المجرات عن بعضها البعض و المقادير النسبية للعناصر الخفيفة واشعاع الموجات المكروية الخلفية الخافت في السماء الذي يمثل مخلفات النار الكونية البدائية وهذا الاشعاع يدل على ان درجة حرارة الكون انخفضت الى 2.7 كلفن، و ايضا على أن مسيرة الكون التطورية لا تتأثر تقريبا بتفاصيل محتوياته أما بنسبة الى علماء البيولوجيا فان هذا المبدأ لا ينطبق حتى على أبسط الكائنات الحية
 نظر أينشتاين الى نظرية الكون المتوسع في بداية الامر بارتياب. و لكن الحقيقة أنه عندما يتوسع الكون تزداد المسافة بين أي جسمين مستقلين و تتباعد المجرات فيما بينها لأن الفضاء نفسه فيما بينها يصبح أكبر و هو قانون هابل. ايضا كشف الباحثون النقاب عن كثير من المشكلات المعقدة وذلك أثناء انكبابهم على تطوير نظرية الانفجار الاعظم، فعلى سبيل المثال تتنبأ النظرية القياسية للانفجار الأعظم مقرونة بالنظرية الحديثة للجسيمات الأولية بوجود العديد من الجسيمات الفائقة الثقل التي تحمل شحنة مغناطيسية أي أجسام ذات قطب مغناطيسي واحد، و حسب هذه النظرية يجب أن تكون هذه الجسيمات قد ظهرت في وقت مبكر جدا أثناء نشوء الكون كما يجب أن توجد الآن بمقادير وفيرة مما يؤدي إلى زيادة الكثافة المتوسطة لمادة الكون بالمقارنة مع القيمة الحالية ولكن هذه الأجسام لم تكتشف لحد الآن و كثافة الكون الحالية لا تدل على وجودها. و ثمة نقطة ثانية مثيرة للجدل تتعلق بانبساط الفضاء فالنسبية العامة تقترح احتمال أن يكون الفضاء منحنيا و مع ذلك نرى الكون من حولنا مجرد سطح منبسط وهناك مشكلة اخرى تتعلق بلحظة حدوث التمدد، فهده النظرية تفرض أن جميع أجزاء الكون بدأت بالتمدد في نفس اللحظة و لكن كيف استطاعت جميع أجزاء الكون أن تضبط تمددها في لحظة واحدة، وهذا له علاقة بمشكلة الأفق وهي أن منطقتين تقعان في طرفين متقابلين من السماء تظهران متماثلتان إلى حد بعيد رغم انه لم يكن هناك زمن كاف للمادة, الحرارة و الضوء للانتقال بينهما و جعل كثافتيهما و حرارتهما متجانستين
 ان هذه العيوب لا تلغي تلك النظرية التي تصف بلايين السنين من التاريخ الكوني بدقة, بل تشير أن النظرية غير كاملة و لسد هذه الفجوات برزت نظرية جديدة مند نحو 30 عاما, تدعى نظرية التضخم وهي تنص على أن الكون مر بمرحلة من التضخم بشكل أسي خلال جزء صغير من الثانية وفي نهاية هذه الفترة يستمر الكون في تطوره وفق نموذج الانفجار الأعظم. ان السمات الاساسية للسناريو التضخمي تمتد جذورها الى فيزياء الجسيمات الاولية استخدم فيها الفيزيائيون ما يدعى بالحقول السلمية للتوحيد بين التأثيرات الضعيفة و التأثيرات الكهرومغناطيسية على الرغم من  ان الحقول السلمية هي الجسيمات الاولية التي لم تشاهد الى غاية الآن في المسرعات و لكنها تملأ الكون وتعلن عن وجودها بالتأثير في خواص الكون عبر نظرية التضخم. عندما بدأ الكون بالتمدد بدأت القوى الأساسية تنفصل عن بعضها البعض تسمى هذه العملية خرق التناظر و يصبح الكون ممتلأ بالحقول السلمية المختلفة، تؤدي الحقول السلمية دورا حاسما في الكوسمولوجيا وفي فيزياء الجسيمات، اذ انها توفر الالية التي تولد التضخم السريع للكون. يضفي حقل التضخم قوة 'الثقالة المضادة' تقوم بمط الفضاء. ويرتبط كل حقل تضخم بطاقة كامنة، يعمل هذا الحقل الى الانخفاض الى أدنى مستويات كمونه لكن هناك ألية يولدها التوسع الكوني تعمل على اعاقة هذا الهبوط و مادامت هي الغالبة فان حقل التضخم يلازم مكانه و تبقى قيمته تقريبا ثابتة الامر الذي يجعل قوة الثقالة المضادة تتفوق على الثقالة. مما يسبب تزايد تمدد بمعدلات أسرع، حتى مدة معينة ثم يضعف هذا الحقل فيحول طاقته المتبقية الى اشعاع و يستمر التوسع بعد هذا وفق الانفجار الاعظم كما أسلفنا سابقا.
 في الواقع يتمدد الكون وفق النظرية النسبية العامة بمعدل يتناسب عكسا تقريبا مع الجذر التربيعي لكثافته و اذا كان الكون مملوء بالمادة العادية فان كثافته تتناقص بسرعة عندما يتمدد الكون فيزداد التمدد، بالإضافة الى مبدأ تكافؤ الكتلة و الطاقة الذي و ضعه أينشتاين فان طاقة كمون الحقل السلمي تسهم أيضا في  عملية التمدد. هذه المرحلة من التضخم الاسي السريع لم تستمر طويلا فمدة بقائها كانت من القصر بحيث أنها لم تتجاوز ثانية. هذا نموذج فك معظم الالغاز فكثافة أحاديات القطب البدائية مثلا تضخم نفسها ومن ثم فإنها عمليا تدفع نفسها بقوة الى خارج الكون المرئي، ولقد أصبح الكون كبيرا لدرجة أنه لا يمكن الا رؤية جزء ضئيل منه لذلك فان الجزء الذي نعيش فيه يبدو منبسطا مهما كان الشكل البدائي للكون، وبذلك يدفع التضخم القيمة المرصودة الى نحو 1.
 كان 'ستاروبنسكي' أول من أورد صورة واقعية للنظرية التضخمية عام 1979 تلاه 'جوث' في 1981. سنتناول في هذا البحث النموذج الابسط الذي يحتوي على حقل سلمي واحد ذلك الذي له قيمة صغرى واحدة لطاقة كمونه دون الحاجة الى تأثيرات الثقالة الكمومية أو التحولات الطورية أو التبريد الفائق. سنقوم في هذا البحث أولا بإجراء اضطراب على متريك 'روبرسن لومتر ولكر' في الفضاء المنبسط بدون انحناء فنحصل على حقل سلمي يؤدي الى كثافة متذبذة (كالحراة مثلا) و حقل تنسوري يؤدي الى الامواج الثقالية مع اجراء اضطراب على المتريك و نحاول مقارنة معادلة الحركة المتحصل عليها مع "طيف القوة" خلال التضخم. السؤال الذي يطرح نفسه هو من أين تأتي هذه الاضطرابات أو التقلبات. تنشأ هذه اللاتجانسات عن التأثيرات الكمومية، فوفق الميكانيك الكمومي فان الفضاء الخالي لا يكون خاليا كليا، فالخلاء يكون مملوء بتقلبات كمومية صغيرة. وهذه الاخيرة يمكن اعتبارها موجات، ولهذه الامواج جميع الاطوال الموجية المحتملة وتتحرك في كل الاتجاهات، ولا يمكن اكتشافها لأن حياتها قصيرة ولأنها ميكروسكوبية. وبسبب التضخم فإنها ستمط بسرعة و تتجمد اذا بلغت طول معين. و يستمر الكون في التمدد وتتجمد موجات جديدة على الموجات السابقة وتشكل قمم وبما أن هذه الموجات لا تتحرك ولا تختفي فإنها تزيد الحقل السلمي في مناطق وتخفضه في مناطق أخرى وبذلك تسبب حدوث اللاتجانسات. اذن ان الاضطرابات في الحقل السلمي تؤدي الى اضطرابات في الكثافة. ان اضطرابات الكثافة وكذلك الموجات الثقالية تترك بصمتها على اشعاع الخلفية المكروية فتجعل درجة الحرارة تختلف قليلا من نقطة الى اخرى في السماء بقدر من عدم الانتظام يساوي  ما وجده تماما عام 1992 الساتل " كوبي" الذي اكتشف الخلفية الكونية و يعتبر هذا الاكتشاف أكبر دليل على صحة هذه النظرية. ان هذه النظرية لم تفسر فقط (CMB) النظرية بل فسرت ايضا حتى أسباب ظهور المجرات التي تنتجها التذبذبات الكمومية الضئيلة التي تنمو التركيزات الطفيفة للمادة في نهاية الامر لتصبح مجرات وحشود. ان الكثير من الكوسمولوجيين يعتقدون أن التضخم أساسي لبناء نظرية كونية متماسكة فالنظرية التضخمية نفسها تتغير وفقا للتطورات السريعة لنظرية فيزياء الجسيمات وهي تتضمن نماذج عدة، منها التضخم الموسع و التضخم الطبيعي و التضخم الهجين و كثير غيرها ومع ذلك فمعظمها يعتمد على فكرة التضخم الفوضوي (الحقول السلمية تأخذ قيم اعتباطية). ان هذه الاخيرة بسيطة في كثير من النواحي حتى انه من العسير أن ندرك لماذا لم تكتشف هذه الفكرة من قبل و اني أعتقد أن السبب نفسي بحت. فالنجاحات الرائعة لنظرية الانفجار الاعظم أثرت في الكوسمولوجيين تأثير التنويم المغناطيسي في الناس. لقد افترضنا أن الكون كله خلق في لحظة نفسها و أن الحقل السلمي كان منذ البداية قريبا من القيمة الصغرى لطاقة كمونه و أنه في البداية كان ساخنا. ولكن حاليا ظهرت نظرية مثيرة للانتباه وهي نظرية خاصة بكون تضخمي متجددا ذاتيا، وهي نظرية عامة وتقود الى نتائج أكثر اثارة. يرتبط التسطح والتجانس معا في نظرية التضخم، ومشكلة اليوم أن الارصاد التي تناولت المستعرات الاعظمية و المجرات النائية توحي أن الثقالة أضعف من أن تكبح التوسع و بالتالي هي تدل أن الكون مقوس مفتوح، و لتفسير هذا افترض وجود طاقة بشكل ثابت كوني وهذا يجعل نظرية التضخم في خطر. أما التفسير الثاني هو التساؤل عما اذا كان الكون المسطح هو حتمية للتضخم حقا، و افترض أنه لو كان حقل التضخم دالة طاقة كامنة مختلفة لكان التضخم قد حنى المكان بطريقة دقيقة قابلة للتنبؤ بها و بالتالي يصبح الكون مقوس قليلا و تسمى هذه النظرية نظرية التضخم المفتوح. ان الارصاد الحالية تحاول تحديد أي من النظريتين صحيحة نظرية الثابت الكوني أو نظرية التضخم المفتوح، أو قد تكون النتيجة أن كلتيهما غير ملائم وفي تلك الحالة على الباحثين البدء من جديد بإيجاد أفكار جديدة حول ما حصل في الكون المبكر. ما سنقوم به في هذا البحث هو تحويل هذا الكلام الى معادلات تفسرها بكل دقة .